Loading
follow | sami nawasreh

ادخل ايميلك لتصلك اخر مواضيعنا

اسمع القران الكريم
جديد المواضيع

قديم 06-24-10, 05:51 PM رقم المشاركة : 41
الملف الشخصي
إحصائية العضو






بوسي est déconnecté

علم الدولة female_egypt

افتراضي رد: رواية انت لى كاملة

قلتها و أنا أضع يدي على صدري خوفا من أن تكون حقيقة ...

سامر نهض واقفا .. و اقترب مني و قال :

" ما رأيك بما قال ؟ "

" ما ذا تعني ؟؟ "

أمسك بيدي و قال :

" بأن .. نتزوج نحن أيضا .. "

هنا احتقنت الدماء في وجهي و اضطربت تعبيراته... رأى سامر الرفض على وجهي و قال :

" أرجوك .. رغد .. "

هويت بنظري أرضا ...

لماذا يعود لفتح الموضوع الآن ؟ لماذا يا سامر لا تعتقني ..

سامر رفع وجهي بيديه كلتيهما و قال بصوت شديد الدفء و الحنان :

" كدت أجن .. لما حصل معك ..لا أريد أن تفترقي عني لحظة واحدة .. أحبك بجنون "

أبعدت وجهي عنه و استدرت و أنا أقول :

" كفى .. أرجوك ... "

و انهمرت دموعي ...

حاصرني سامر .. حاولت الفرار ألا أنه لم يدع لي المجال ..

" رغد .. لماذا ؟ بالله عليك أخبريني بصدق .. لماذا ؟ "

أردت أن أعود إلى غرفتي ألا أنه منعني ... كان مصرا على مواجهتي ...
قرع الجرس الآن... لابد أنه وليد...

فتح سامر الباب فإذا به وليد بالفعل...

كان وجهه حزينا كئيبا مهموما.. منظره يثير القلق و الحيرة ..

لم يتكلم.. نظر إلينا قليلا ، ثم ذهب إلى غرفته..

ثوان و إذا به يخرج ثانية ، ممسكا بمحفظته و مفاتيحه..

و سار نحو الباب ..

سامر استوقفه سائلا :

" إلى أين ... وليد ؟ "

استدار وليد إلى سامر و قال بنبرة نامة عن الحزن و الاستسلام :

" إلى المزرعة "

دهشنا و اشرأبت أعناقنا عجبا ..

قال سامر :

" ماذا ؟؟ "

قال وليد :

" فقد انتهى دوري "

و فتح الباب و همّ بالخروج ...

أسرع سامر إليه و أوقفه :

" وليد ! هل تعني ما تقول ؟؟ إلى المزرعة في هذا الوقت ؟؟ "

استدار إليه و قال :

" نعم ، فهي المكان الذي يناسب أمثالي "

و خرج ...

و رغم نداءات سامر و محاولاته المستميتة لإيقافه ألا أن وليد أبعده ، واستمر في طريقه ...


الجنون أصابني أنا لحظتها... ركضت نحو الباب و صرخت :

" وليد .. لا تذهب "

ألا أن وليد لم يلتفت إلي .. و تظاهر بعدم سماعه لي ..

" وليد ... وليد عد .. "

هتفت و هتفت ، ألا انه ابتعد... و اختفى عن أنظاري ...

سامر أغلق الباب.. و تنهّد بأسف ...

قلت بعصبية :

" ماذا تنتظر؟ الحق به ! امنعه ! "

ألا أن سامر هزّ رأسه بقلة حيلة ..



تفجرت دموعي و أغرقت وجهي كما الطوفان ، و زمجرت :

" الحق به يا سامر دعه يعود "

" لن يفعل يا رغد.. لن يفعل "

رفعت يدي و أمسكت بذراعي سامر و صحت :

" كيف تتركه يذهب ؟ ماذا إن أصابه مكروه ؟ الحق به سامر أرجوك "

سامر قال بضيق :

" ألم أفعل ؟ لا جدوى من ذلك .. أنا أعرفه "

هززت رأسي باعتراض شديد و صرخت :

" كلا .. كلا كلا ... "

نظر إلي باستغراب ...

قال :

" رغد ! ؟ "

قلت بانفعال :

" سأذهب معه "

ذهل سامر ، و قال :

" ماذا ؟؟ "

صحت :

" سأذهب معه ... لا أريد البقاء هنا .. لا أريد البقاء هنا.. لماذا ذهب و تركني .. لماذا ؟ "

سامر أمسك بذراعي بقوة و بذهول قال و هو يحدّق بي :

" تذهبين معه .. و تتركيني ؟؟ "

ابتلعت لساني و لم أنطق بأي كلمة ... سامر كان يحملق بي بحدة .. نظرات فاحصة مدققة مدركة مستنتجة .. قارئة لما اعترى وجهي من تعبيرات صارخة ...

" رغد ... تتركيني من أجله ؟؟ أليس كذلك ؟؟ "

صعقت .. و توقف قلبي عن الخفقان ... و لم أشعر بالدنيا من حولي سوى عيني سامر اللاسعتين .. و يديه القابضتين علي بعنف ..

قال :

" تكلمي يا رغد ؟؟ أهذا هو السبب ؟؟ "

لم أجبه ..

بدأ يهزني بقوة .. و آلمني كثيرا ...

" رغد تكلّمي ... قولي ما تخفينه .. اعترفي هيا "

" دعني سامر "

لكنه هزني بعنف أقوى و بحدة صاح بوجهي :

" تكلمي يا رغد هيا..ماذا لديك؟ انطقي بسرعة..لماذا قررت التخلص مني؟ قولي هيا؟ "

فقد ت السيطرة على نفسي و صرخت :

" لأنني لا أحبك .. لا أحبك يا سامر .. هل ارتحت الآن ؟ "

سامر دار بي حتى رطمني بالباب .. و هتف صارخا :

" .. وليد ؟؟ "

تفجّرت لحظتها و صرخت بأعلى صوتي مطلقة سراح ما حبسته في صدري عنوة :

" نعم أحبه.. أحبه هو .. أحبه هو .. أحبه هو .. هو .. هو "

بعد هذا الانفجار .. و الذي خرج من صدري دون شعور و إدراك .. و وعي ، وعيت على الواقع بصفعتين قويتين تلقيتهما من كف سامر الثائر..

أفقت فجأة فرأيت نفسي أقف مسنودة إلى الباب .. و دموعي تجري كشلال ضخم.. و سامر يقف أمامي كأسد ثائر ... يكاد يفترسني ...

لم أدرك أنني أفصحت عمّا في قلبي إلا بعد حين ...

توقفت أنفاسي .. في حالة من الذهول مما أنا فيه ...

كالجمرة المتقدة كان وجه سامر محمرا متوهجا .. و كانت يداه توشكان على الانقضاض علي ...

قال :

" لقد كنت أحمق إذ لم أعر شكوكي اهتماما يومها ... كم كنت غبيا ... لقد كنت تحبينه كل ذلك الوقت و تستغفلينني ؟ "

لم أستطع النطق بأي كلمة ..

تابع هو :

" نعم .. فأنت ركضت نحوه هو يوم كنا عند الشاطئ.. و تركتني أنا واقفا كالأبله جواره تماما.. "

ثم أطبق علي بيديه و قال :

" لهذا تريدين التخلص مني ؟؟ لن تفعلي هذا بي يا رغد.. لن أسمح لك بهذا أبدا "

و سحبني بعنف .. و سار يجرني إلى غرفتي ، و دفع بي بقوة نحو السرير ... فارتطمت به بآهة ...

زمجر :

" لن أسمح لكما بذلك .. أتفهمين ؟؟ أبدا يا رغد "


و خرج من الغرفة و هو يصفع بالباب ...




حينما وصلت إلى المزرعة.. كان ذلك قبيل أذان الفجر...

دفعت مبلغا كنت أنا الأحوج إليه إلى السائق الذي أوصلني... و أخذت أعد ما تبقى لدي من جديد...


لزمت المسجد لحين ارتفاع الشمس في صدر السماء... و ناجيت الله طويلا .. شاكيا له حالي و باثا إليه همومي و سائلا إياه الرحمة و اللطف ...


ذهبت إلى المزرعة بعد ذلك و استقبلني العم الطيب و ابنة أخته استقبالا حافلا ... و علمت منهما أن السيدة ليندا عادت إلى المستشفى من جديد ، في نوبة جديدة ...


كلما تذكرت أنني كنت السبب في المرض التي اعترى قلب هذه السيدة كرهت نفسي أكثر .. و شعرت بمسؤولية أكبر تجاهها و تجاه المزرعة و من فيها...

قمنا بزيارتها مساء ذلك اليوم.. ففرحت هي بزيارتي و طلبت مني مساعدة أخيها و ابنتها في العناية بالمزرعة ..

عملت بجد و اجتهاد في الأيام التي تلت .. و لم أتصل بأهلي إلا اليوم ..

كان العم و أروى قد ذهبا لزيارة السيدة ليندا ، وأنا بقيت في المنزل وحيدا ...
تحدّث سامر إلي و طمأنني على أحوالهم ، و أخبرني أنه و رغد ، كما نوّار و دانة سيحتفلون بزواجهم بعد ليلتين...

أقفلت السماعة ، و حاولت منع رأسي من التفكير في أي شيء...

فبعد اللقاء الحميم الذي جمعهما في المزرعة أول وصوله ، فقدت أي اهتمام يذكر بشأن عرقلة هذا الزواج .. سواء ً كان برضا من رغد أو باضطرار منها..

أنى لها أن تجد الزوج الأنسب ؟؟

و كيف أسمح لنفسي بالتفكير بها .. و ما أنا إلا رجل فقير معدم .. لا يملك مأوى و لا قوتا ؟


و إن عشت ألف سنة بعد ، لن أنسى نظرة الازدراء التي رمتني بها يوم كنا في المزرعة ...

صدقت يا سامر

رغد لا تستحق الزواج من مجرم قاتل .. فقير معدم .. وحيد منبوذ مثلي ..

عاد العم و أروى من المستشفى فرأياني شاردا سارحا تائها في أفكاري ...

كما رأيا الدمعة التي هربت من مقلتي ..

رأيت في عينيهما القلق .. و سألاني عما إذا كان شيء ما قد حصل ، فأجبتهما :

" لا شيء "

الفتاة ذهبت إلى المطبخ أما العجوز فعاد يسألني :

" ما بك يا بني ؟ تبدو في غاية الحزن ؟؟ "

قلت :

" و هل ترى في حالي ما يدعو للسرور أيها العم ؟ إنني في أسوأ حال "

" قل الحمد لله يا ولدي.. "

" الحمد لله "

تنهدت ، ثم قلت بمرارة ...

" إلى متى سيظل حالي هكذا ؟؟ لسوف أبحث عن عمل من جديد .. إنني بحاجة للمال .. لتكوين نفسي و بناء مستقبلي "

" ماذا عن .. العمل معنا ؟؟ "

نظرت إلى الرجل العجوز نظرة امتنان و قلت :

" لكن إلى متى ..؟؟ إنني تائه ! بلا بيت و لا أهل ... "

" و نحن ؟؟ "

" أنتم .. عائلتي حتما و لكن .. "

و صمت ...

العم قال :

" و لكن لا يربطنا نسب أو دم .. "

لم أعلّق ، قال :

" مشكلة سهلة الحل "

نظرت إليه بحيرة ...

ابتسم العجوز و قال :

" إن كنت تريد لها هذا الحل "

قلت :

" عفوا ؟؟ "

العم إلياس امسك بيدي و ظهر الجد على تعبيرات وجهه و قال :

" أزوّجك ابنة أختي ! "

تملّكني الذهول و المفاجأة .. رمقته بنظرة بلهاء غير واعية لحقائق الأمور ..

" ماذا ؟ "

أجاب العم :

" إذا كنت ترى ذلك طبعا ... مثلما نراه نحن .. "

تلك الليلة لم تسمح لي الفكرة هذه بالنوم.. خرجت من غرفتي أحمل علبة سجائري التي اشتريتها مؤخرا... و التي عدت استهلكها بشراهة .. سرت متجولا في المزرعة في تفكير عميق ...

قضيت وقتا في الخارج ، و لما عدت .. لمحت أروى جالسة على عتبات المنزل ...

لما رأتني نهضت واقفة ... و ألقت علي التحية ..

ارتبكت.. و رددت باضطراب ..

قالت و هي تنظر إلى السيجارة في يدي :

" ألم تقلع عن التدخين ؟؟ "

" أأ .. صعب .. "

قالت :

" أنت تضر بصحتك ! لا تستحق هذه التافهة الاهتمام ! "

تنهّدت .. و نظرت إلى السماء ثم قلت :

" لا شيء في حياتي يستحق الاهتمام ... و لا حتى أنا "

" أنت مخطئ ! "

و ندمت على مقولتي هذه !

و رأيت نظرات الاهتمام في عينيها ...

غضضت بصري و قلت :

" بعد إذنك .. سأعود إلى غرفتي "

و خطوت بضع خطوات مبتعدا ، و أنا أحس بها تراقبني ...

التفت للوراء فوجدتها بالفعل تراقبني ... و تبتسم !

لا أعرف من أين استمددت هذه الجرأة و الجنون لأسألها :

" آنسة أروى .. "

" نعم ؟ "

" تتزوجينني ؟؟ "




 




عرض البوم صور بوسي رد مع اقتباس

قديم 06-24-10, 05:54 PM رقم المشاركة : 42
الملف الشخصي
إحصائية العضو






بوسي est déconnecté

علم الدولة female_egypt

افتراضي رد: رواية انت لى كاملة

الحلقة الثامنة والعشرون



********





" تتزوجيني ؟؟ "

أروى حملقت بي لبرهة ، ثم ابتسمت و نظرت إلى الأرض بخجل !

العرق صار يتصبب مني و ملابسي تحترق من حرارة جسدي.. أما لساني فانعقد تماما !

أي جنون هذا ؟؟


ظللنا واقفين فترة هكذا ، أنا لا أجرؤ على قول شيء و لا الانصراف ، و هي لا ترفع عينيها عن الأرض...

نفحات الهواء الباردة أخذت تصافح جسدي و تطفئ اشتعاله.. و هبّت على الوشاح الذي تلفه أروى حور رأسها فتطايرت أطرافه.. كاشفة عن خصلات ذهبية ملساء انطلقت تتراقص مع النسيم ..

غضضت بصري بسرعة ، و استدرت جانبا و قلت :

" أنا آسف "

" لم ؟؟ "

قالتها بتعجب ، فكساني تعجبها تعجبا !

أعدت النظر نحوها فوجدتها واقفة في مكانها و قد ضبطت الوشاح حول رأسها بإحكام...

و لا تزال تبتسم بخجل !

تشجعت حينها و قلت :

" ألا تمانعين من الزواج من رجل مثلي ؟ "
قالت دون أن تنظر إلي :

" مثلك .. يعني ماذا ؟؟ "

قلت :

" فقير.. مشرد.. خريج سجون.. عاطل ! "

قالت :

" لكنك .. رجل نبيل يا وليد "

ثم ألقت علي ّ نظرة خجولة ... و انصرفت مسرعة !


في صباح اليوم التالي ، كنا أنا و العم إلياس ننظم أغصان بعض الأشجار...و كان الموضوع يلعب برأسي منذ الأمس... و كنت أحاول التقاط أي خيط من الكلام لفتحه أمام العجوز ..

و ربما هو لاحظ ارتباكي ألا أنه لم يعلّق..

قلت :

" أليس لديكم أقارب آخرون يا عمي ؟ "

قال :

" هنا ؟ لا يوجد . إنني و أختي كما تعلم من خارج البلدة و لا أهل لنا هنا . نديم رحمه الله كان يقطن المدينة الساحلية هو و عائلته قبل استقراره هنا في هذه المدينة قبل زمن طويل .. و هو الآخر لم يكن لديه أقارب كثر "

و المدينة الساحلية هي مدينتي الأم


قلت :

" و ماذا عنك ؟ ألم يكن لديك زوجة و أبناء ؟ "

قال :

" زوجة رحمها الله. لم أرزق الأبناء بقضاء من الله. الحمد لله "

ثم أضاف :

" لذلك أحب ابنة أختي حبا جما .. و أسأل الله أن يرزقها زوجا صالحا أطمئن إلى تركها معه بعد فنائي "

قلت بسرعة :

" أطال الله في عمرك عمّاه "

قال :

" فقط إلى أن أزوّجها و أرتاح "

و غمز إلي بنظرة ذات معنى !

احمر وجهي خجلا.. فصمت ، أما هو.. فنظر بعيدا مفكرا و قال :

" أنا قلق عليها و على مستقبلها .. إنها فتاة بلا سند.. أريد أن أزوجها بسرعة لرجل جدير بالثقة.. أأتمنه عليها.. "

و نظر نحوي.... يقصدني !

قلت متلعثما :

" أأ أحقا لا تمانع من زواجها من.. من .. "

أتم العم الجملة :

" منك يا وليد ؟ مطلقا.. فأنت رجل خلوق و مهذّب . بارك الله فيك "

قلت مترددا :

" لكنني .. كما تعرف "

قاطعني :

" لا يهم ، فهاهي المزرعة أمامك اعمل بها عملا شريفا نظيفا و إن كان بسيطا.. و إن كنت تود العمل في مكان آخر فاسع يا بني و الله يرزقك "


طمأنني قوله كثيرا .. تماما كما كانت كلمات نديم رحمه الله تبعث في نفسي الطمأنينة في سني السجن ...

قلت أخيرا :

" لكنني.. خرجت من السجن "

قال :

" نديم كان في السجن أيضا ، و لم أر في حياتي من هو أشرف منه و لا أحسن خلقا "

ابتسمت .. للتقدير و الاحترام اللذين يكنهما هذا الرجل لي.. و اللذين رفعا من معنوياتي المحطمة بعد كلمات دانة الجارحة ...

العم ابتسم أيضا و قال و هو يصافح يدي :

" أ نقول على بركة الله ؟؟ "



" ماذا عني أنا ؟؟ تتركيني وحدي ؟؟ "

سألت دانة التي تقف أمام المرآة تجرّب ارتداء فستان السهرة الجديد ، الذي اشترته لارتدائه في الحفلة البسيطة ... يوم الغد

لم تكن تعيريني أي اهتمام.. و خلال الأيام الماضية عوملت معاملة جافة من قبلها و قبل سامر .. بتهمة الخيانة !

" دانة أحدّثك ! ألا تسمعين ؟؟ "

" ماذا تريدين يا رغد ؟ "

" لا أريد البقاء وحدي هنا "

" سامر معك "

قلت باستياء :

" لا أريد البقاء مع سامر بمفردنا "

الآن التفتت إلي و قالت :

" إنه خطيبك .. فإن كنت لا تثقين به فهذه مشكلتك ! "

شعرت بضعف شديد و قلة حيلة .. فوليد ، الشخص الذي كان يقف إلى جانبي و يتولى الدفاع عني قد اختفى.. و لابد لي من الرضوخ لقدري أخيرا...

خرجت من غرفتها و ذهبت إلى غرفتي، و من هناك اتصلت بوالدي ّ و طلبت منهما أن يعودا بأي وسيلة.. لأنني وحيدة و تعيسة جدا..

و يا ليتني لم أفعل ...

بعد ذلك ، جاء سامر إلى غرفتي يحمل علبة هدّية ما ...

كان يبتسم .. اقترب مني و حاول التحدث معي بلطف و كرر الاعتذار عما بدر منه تلك الليلة ، ألا أنني صددته بجفاء.

" وفر هداياك يا سامر .. فأنا لن أقتنع بفكرة الزواج بهذا الشكل مطلقا.."

غضب سامر و تحوّل لطفه إلى خشونة و نعومة حديثه إلى قسوة..

قال :

" حين يعود والداي سيتم كل شيء "

قلت :

" حين يعود والداي سينتهي كل شيء "

سامر فقد السيطرة على أعصابه و زمجر بعنف :

" كل هذا من أجل وليد ؟؟ "


ونظرت إليه نظرة تحدّي لم يستطع تجاهلها..

أطبق علي بقسوة و قال :

" و إن تخليت عني ، لن أسمح له بأخذك مطلقا .. أتفهمين ؟؟ "

" بل سأطلب منه أن يأتي لأخذي فأنا لن أعيش معك بمفردي "

" رغد لا تثيري جنوني.. لا تجعليني أؤذيك .. إنني أحبك .. أتفهمين معنى أحبك ؟ "
هتفت :

" لكني أحب وليد .. ألم تفهم بعد ؟؟ "


سامر دفع بي نحو السرير ، و تناول علبة الهدية و رطمها بالجدار بقوة ...

قال :

" ماذا تحبين فيه ؟ أخبريني ؟؟ ماذا رأيت منه جعل رأسك يدور هكذا ؟؟ "

ثم أقبل نحوي و هزني بعنف و هو يقول :

" أ تحبّين رجلا قاتلا ؟ مجرما ؟ سفاحا ؟؟ "

صرخت بفزع :

" ما الذي تقوله ؟؟ "

قال مندفعا :

" ألا تعلمين ؟؟ إنها الحقيقة أيتها المغفلة .. كنت ِ تظنين أنه سافر ليدرس في الخارج ..طوال تلك السنين .. أتعلمين أين كان وقتها ؟؟ أتعلمين ؟؟ "


كان الشرر يتطاير من عيني سامر .. المرة الأولى في حياتي التي أرى فيها عينيه بهذا الشكل ... أصابني الروع من نظراته و كلماته ..

أتم جملته :

" لقد كان في السجن "

صعقت ، و لم أصدّق ... هززت رأسي تكذيبا ، ألا أن سامر هزني و قال بحدة :

" نعم في السجن .. ثمان سنوات قضاها مرميا في السجن مع المجرمين و القتلة.. ألا تصدقين ؟ اسألي والدي ّ .. أو اسأليه هو.. في السجن يا رغد.. السجن.. و قد أخفينا الأمر عنكما أنت و دانة لصغر سنكما "

صرخت غير مصدقة ..

" كلا .. كلا .. أنت تكذب ! "

قال بحدّة :

" تأكدّي بنفسك.. و لسوف تندمين على صرف مشاعرك على قاتل متوحّش "

دفعت سامر بعيدا عني و ركضت مسرعة نحو غرفة دانة ، التي كانت لا تزال أمام المرآة ...

" دانة "

هتفت بقوة أجبرتها على الالتفات إلي بشيء من الدهشة و الخوف ...
قلت :

" وليد .. وليد... "

فزعت دانة ، قالت :

" ما به ؟؟"

قلت :

" كان في السجن ؟؟ "


دانة تحملق بي في دهشة و عدم استيعاب .. صرخت ُ :

" وليد كان في السجن ؟؟ أخبريني ؟؟ "

ظهر سامر من خلفي فنظرت إليه دانة

قال :

" أخبريها فهي لا تصدقني "

دانة جالت ببصرها بيننا ثم قالت :

" أجل... لثمان سنين .. "

صرخت :

" لا ! "

قالت :
" بلى ، و بجريمة قتل "

" مستحيل ! "

لم أشأ أن أسمع .. أن أفهم .. أن أصدق .. أن أدرك ..

دارت بي الدنيا و تراقصت الأرض و تمايلت الجدران.. و أظلمت الأنوار.. و لم أشعر بنفسي إلا و سامر يمسكني بسرعة و يجلسني أرضا ...

بدأت الأنوار تضاء.. و بدأت أسمع نداءاتهما و أرى أعينهما القلقة حولي.. و أحس بأيديهما الممسكة بي ...

" رغد حبيبتي تماسكي "

" رغد ماذا جرى لك ؟؟ "

" ابقي مسترخية "

" اسم الله يحفظك "


حينما وعيت تماما وجدت نفسي ممدة على الأرضة و رأسي في حضن سامر و يدي بين يدي دانة ... و كنت أشعر ببلل الدموع الجارية على وجنتي...

قال سامر :

" أ أنت بخير ؟ "

أغمضت عيني بمرارة و تركت المجال لدموعي بالتدفق كيفما شاءت...

قالت دانة :

" رغد ... "

فتحت عيني و حاولت أن أتكلم، و عجزت إلا عن إصدار أنات متلاحقة... لا معنى لها و لا تفسير..


ساعدني الاثنان على النهوض و التوجه إلى غرفتي حيث استلقيت على سريري.. و جلس الاثنان قربي.. سامر يمسح على رأسي و دانة تشد على يدي...

قالت :

" لا بأس عليك.. كانت صدمة بالنسبة لي أنا أيضا "

تحشرج صوتي في حنجرتي ثم انطلق ناطقا :

" لماذا أخفيتم عني ؟؟ "

دانة نظرت إلى سامر.. كأنها تنقل السؤال إليه..

نظرت إلى سامر فرأيت وجهه متجهما حزينا...

" لماذا ؟ "

سامر حار في أمره .. و بعثر أنظاره فيما حولي ثم قال :

" كنتما صغيرتين .. ثم .. لم نشأ تقليب المواجع بعد خروجه .. "

" لا أصدق .. لا أصدٌق.. لا يمكن.. "

و انفجرت في بكاء أبكى دانة.. و كاد يبكي سامر أيضا..

قلت مخاطبة دانة :

" لماذا فعل ذلك ؟؟ "

و أيضا أحالت السؤال إلى سامر ..

قلت مخاطبة سامر :

" لماذا ؟؟ "

هذه المرّة سامر دقق النظر إلي .. نظرات عميقة غريبة ، ثم قال :

" ألا تعرفين ؟؟ "

" أنا ؟؟ "

سامر قال :

" لا نعرف الحقيقة بالضبط، لكن ... "

" لكن ماذا ؟؟ "

تردد سامر ثم قال :

" إنه يخفي سرا .. "

صمت ثوان ثم قال :

" سر على ما يبدو .. له علاقة بـ ... "

و تراجع عن إتمام جملته..

" بماذا ؟؟ "

سألت ، فظل ينظر إلي بتمعن .. و كأنه يثير إلي !

" بي أنا ؟؟!! "

و لم ينف كلامي ، فسألته دانة باستغراب :

" و ما علاقة رغد بالأمر ؟؟ "

سامر تردد و من ثم قال بنبرة غير الواثق من كلامه :

" لا أدري .. القضية غامضة .. و حزام الزي المدرسي الذي كانت رغد ترتديه ذلك اليوم – وهي نائمة في سيارة وليد - .. وجد للغرابة في مسرح الجريمة قرب القتيل مباشرة ! "

ما إن أتم سامر جملته .. حتى تهدّم في رأسي سد الذكريات فجأة .. و تدفقت شلالات الذكرى المفزعة .. و انتفضت و شهقت ثم هتفت بغتة :

" عمّار !!؟؟ "

الاثنان نظرا إلي بتعجب ..

جلست فجأة و وضعت يدي الاثنتين على صدري فاتحة عيني و فاغرة في ّ بذهول ما بعده ذهول ...

" رغد ؟؟ "

ناداني سامر ، فالتفت إليه .. ثم إلى دانة .. ثم إلى سامر فدانة بشكل تثير الشكوك ..

عاد سامر يقول :

" رغد ..؟؟ "

صرخت :

" لا "

" رغد .. هل رأيت شيئا ؟؟ "

صرخت بفزع :

" لا "

قال :

" أتذكرين شيئا ؟؟ "

" لا .. لا كلا .. "

و جذبت دانة نحوي و وضعت رأسي في حضنها و لففت ذراعي ّ حولها و أنا أصرخ بجنون :

" كلا .. كلا .. وليد.. وليد .. "

حتى غشي علي ...



في نفس اليوم ، و الذي عادت فيه السيدة ليندا من المستشفى ، عقدنا قراننا أنا و أروى ..

العائلة كانت سعيدة و مبتهجة ... و قد صنعت أروى كعكتين لذيذتين و عشاء مميزا، احتفالا بالمناسبة..

لم يشاركنا الحفلة الصغيرة سوى سيدة واحدة هي صديقة للسيدة ليندا ، و ابناها اللذين شهدا على العقد..

بالنسبة لي ، كان حدثا غريبا و أشبه بالوهم..نعم الوهم..لقد كنت هناك ، لكنني لم أكن.. و انتظرت أن أصحو من هذا الحلم الغريب.. ألا أنني لم أصح ..

بعد تناولنا العشاء.. أوحت إلينا السيدة ليندا بأن نخرج للتجوّل في المزرعة.. أنا كنت أتتصبب عرقا و في غاية الخجل.. و لا أجرؤ على النظر نحو أروى.. و لا أعرف كيف هي حالتها و تعبيراتها!

خرجنا معا إلى المزرعة، و سرنا صامتين لا يلتفت أحدنا إلى الآخر..
قطعنا شوطا طويلا في السير.. و كان الجو باردا فسمعت صوت كفّي أروى يحتكان ببعضهما.. و هنا التفت و نظرت إليها لأول مرّة مذ فارقتها البارحة ..


قلت بتلعثم :

" أتشعرين بالبرد؟؟ "

أروى ابتسمت و نظرت للأسفل و قالت :

" قليلا "

" أتودين أن .. نعود ؟ "

رفعت نظرها إلي و قالت :

" لا.. "

هربت أنا بنظري إلى الأشجار و أنا أتنحنح و ألمس عنقي بيدي.. و أشعر بالحر !

حقيقة أنا لا أعرف ما أقول و لا كيف أتصرّف !

و لا حتى كيف أفكّر ! و اسمعوا ما قلت :

" هذه الأغصان بحاجة إلى ترتيب ! "

و أنا أشير إلى الشجرة التي كنت أنظر إليها..

أروى قالت :

" نعم "

" سوف أقوم بتنظيمها غدا "

" نعم "

لا أزال أحدق في الشجرة.. كأنني أفتش عن المفردات بين أوراقها !

كيف يجب أن يتصرّف رجل عقد قرانه من فتاة قبل قليل ؟؟

أنا لا أعرف بالضبط، فهي تجربتي الأولى، و لكن بالتأكيد.. ليس التحديق في أغصان الأشجار و أوراقها !

" وليد "

نادتني أروى.. فاقشعر جسدي خجلا ، التفت إليها بحرج .. و أنا أمسح قطيرات العرق المتجمعة على جبيني :

" نعم ؟ "

قال بخجل :

" هل أنت .. سعيد بارتباطنا ؟؟ "

تسارع نبض قلبي.. توترت كثيرا ألا أنني قلت أخيرا :

" نعم، و .. أتمنى أن تكوني أنت سعيدة ! "

ابتسمت هي مومئة إيجابا..

ثم قالت و هي تعبث بأصابعها بارتباك :

" أنا.. معجبة بك "

أنا سكنت تماما عن أي حركة أو كلام.. تماما كسيارة نفذ وقودها كليا ! صامت جامد في مكاني بينما الأشجار تتحرك و الأوراق تتمايل !

الآن رفعت أروى بصرها إلي بابتسامة خجولة لتستشف ردة فعلي...

تسللت من بين شفتي هذه الكلمة :

" معجبة بي .. أنا ؟؟ "

ضحكت أروى ضحكة خفيفة و هي تقول :

" نعم أنت ! "

قلت متأتئا متلعثما :

" أأ لكن .. أنا.. شخص بسيط أعني.. إنني .. خريج سجون و .. "

لم أتم ، فقد نفذت الحروف التي كانت مخزنة على لساني فجأة !

أروى قالت :

" أعرف، و لا يهمني ذلك .. "

تبادلنا الآن نظرات عميقة .. أمددتني بطاقة أحلت عقدة لساني ..

قلت :

" أروى .. ألا يهمك أن تعرفي .. لم دخلت السجن ؟؟ "

أروى هزّت رأسها سلبا..

لكنني قلت :

" يجب أن تعرفي... "

ثم قلت :

" دخلت السجن لأنني ... ... قتلت حيوانا "

دهشت أروى و ارتفع حاجباها الأشقرين للأعلى :

" ماذا ؟؟ "

قلت ، و قد تبدّلت تعبيرات وجهي من الخجل و التوتر ، إلى الجدية و الغضب :

" نعم حيوان.. حيوان بشري.. قذر.. كان يجب أن يموت ... "




 




عرض البوم صور بوسي رد مع اقتباس

قديم 06-24-10, 06:00 PM رقم المشاركة : 43
الملف الشخصي
إحصائية العضو






بوسي est déconnecté

علم الدولة female_egypt

افتراضي رد: رواية انت لى كاملة

لا أزال مضطجعة على سريري أذرف الدموع الحزينة المريرة... و أعيد في رأسي تقليب الذكريات... و قد مضت ساعات و أنا على هذه الحال

كلما دخل سامر أو دانة هتفت :

" دعوني وحدي ... دعوني وحدي ... "

فالصاعقة لم تكن بالشيء الهيّن ...

أعوذ بذاكرتي للوراء.. ذكريات مغبرة غير واضحة ، لا أستطيع سبر غورها و كشف غموضها و فهم أسرارها...

مبهمة الملامح .. لا تتضح لي صورتها كما ينبغي ... فأبعدها بسرعة و أجبر رأسي على التفكير بشؤون أخرى ...

مساء الغد.. ستغادر دانة مع عريسها بعيدا.. و أظل أنا و سامر.. في الشقة وحدنا.. و مئات من الشحنات المتنافرة تتضارب فيما بيننا...

تموت الفكرة في رأسي .. تحت أقدام أفكار أقوى .. في وجه إعصار الذكريات التعيسة المشؤومة التي عشتها قبل تسع سنين ...

أتخيل نفسي و أنا في تلك السيارة .. أصرخ .. و أصرخ .. و أهتف و استنجد و أستغيث ... و ما من معين..

ما من شيء .. إلا صفعات متتالية على وجهي.. و كف تمتد إلى وجهي و تكتم أنفي و فمي مانعة إياي من الاستغاثة.. و يد تربط أطرافي الأربعة بذلك الحزام الطويل... ثم ترميني عند المدوسة .. تحت المقعد..


بح صوتي من الصراخ ... كنت وحيدة .. لا أحد من أهلي حولي.. و لا من الناس ... في طريق بري مخيف موحش ...بعيدا عن أدنى معاني الأمان و الطمأنينة
و أسمعه يقول :

" سيأتي وليد إليك فاخرسي "


أحاول أن أتحرر من القيد.. أحاول الركل و الرفس.. و العض.. و كل شيء .. دون جدوى.. فقد كنت أضعف و أوهن من أن أتغلب على ذلك الوحش القذر...


حينما ظهر وليد أخيرا .. فتح لي الباب ..


قفزت من السيارة راكضة مسرعة نحو وليد.. تعلقّت بعنقه.. أردت أن أحتمي داخل صدره.. أردته أن يبعدني بسرعة عن ذلك المكان.. أن يطير بي عاليا .. إلى حيث لا تصلني يد مؤذ و لا نظراته...


وليد...

آه وليد...

وليد...




أخذت أبكي بقوّة.. بكل ما أوتي جسدي المنهك المصعوق من قوة ..



سمعتني دانة فوافتني إلى الغرفة قلقة .. اقتربت مني و هي تراني في حالة انهيار لا مثيل لها.. أبكي دما لا دموعا ...


" رغد.. أرجوك يكفي ! إلى متى ستظلين هكذا ؟؟ لم لا تنامين فقد انتصف الليل "

" لماذا لم تخبروني بالحقيقة ؟ لماذا كذبتم علي ؟ أعيدوا وليد إلي .. أريد وليد .. أريد وليد "

دانة أمسكت بوجهي في حيرة و اضطراب ، و قالت :

" رغد ! ما الذي تهذين به ؟ أ عاودتك الحمى من جديد ؟؟ "

قلت و أنا أنظر إليها بعمق و تشتت في آن معا في تخبط و ضياع و تيه :

" لم أعتقد أنه مات .. رأيته يهوي أرضا.. لم أفهم ما حصل .. لكن وليد ضربه بسببي أنا .. أنا .. أنا "

و انهرت باكية بحدة على صدرها ...

دانة كانت تحاول إبعادي عنها ليتسنى لها النظر إلى وجهي ، و قراءة ما ارتسم عليه، ألا أنني كنت أدفن رأسي في صدرها بإصرار...

" رغد .. ما الذي تقولينه ؟؟ "

صرّحت :

" لم أفهم ذلك .. لم أع ِ شيئا.. لا أذكر ماذا فعل بي .. لكنه ضربني كثيرا .. و ربطني بالحزام .. "

" عمّ تتحدثين يا رغد بالله عليك أفصحي ما تقولين ؟؟ "

رفعت رأسي أخيرا و نظرت إليها و انفجرت قائلة :

" عمار .. الحقير .. الجبان .. اللعين .. القذر .. اختطفني و حبسني في السيارة.. وليد جاء لإنقاذي و ضربه بالصخرة .. أفهمت الآن؟؟ أفهمت ؟؟ أفهمت ؟؟ "


لم أزد على ما قلت حرفا واحدا، إذ أنني انهرت كليا .. كما انهارت دانة الجالسة قربي.. و عندما طلبت مني سرد الأحداث ، قلت :

" لا أريد أن أتذكر شيئا.. لا أريد أن أتذكر..، وليد .. أريد وليد.. أريد العودة إلى وليد"





الآن.. و في هذا الصباح الجميل .. و تحت أشعة هذه الشمس الجديدة ، أشعر بأنني شخص آخر .. رجل ولد من جديد...

ابتداء من هذا اليوم، دخلت عالما جديدا.. و ودعت عالمي الماضي .. للأبد

أنا اليوم ، وليد .. المزارع البسيط الذي يعمل مع خطيبته و عائلتها في مزرعة صغيرة .. في مدينة بعيدة عن مدينته و أصله و أهله ..

الحياة الماضية قد انتهت ، لا رغد و لا حب و لا جنون.. لا ألم و لا عذاب و لا معاناة.. و لا حرب...

الليلة ، ستدخل رغد عالم المتزوجين، و تصبح زوجة لأخي ، و أقطع آخر خيط أمل في استعادتها ذات يوم..

الذكرى الحزينة أجبرتها على مغادرة رأسي ،، فأنا لا أريد لدمعة واحدة أن تسيل من عيني على ما فات.. و لأعش حياتي الجديدة كما قدّر الله لها أن تكون ...


تخرج أروى من المنزل.. مقبلة نحوي ، تحمل صينية تحوي طعاما...

كنت أقف في الساحة أتنفس الصعداء و أشم رائحة الزهور الفواحة ...

إنه مكان يستحق أن يضحي المرء بأي شيء من أجل العيش فيه ...


" صباح الخير .. وليد "

تبتسم لي و يتورد خداها خجلا.. فيجعلها كلوحة طبيعية بديعة من صنع الإله..

أدقق النظر إليها .. فاكتشف أنها آية في الجمال.. جمال لم ألحظه مسبقا و لم أكن لأعره اهتماما ..

ملونة مثل الزهور.. و خصلات شعرها الذهبي تتراقص مع تيارات الهواء.. لامعة مثل أشعة الشمس..

سبحان الله ..

أحقا ..هذه الحسناء هي زوجة مستقبلي ؟

تقبل إلي و تقول :

" أعددت فطورا خاصا بنا "

ابتسم ، و أقول :

" شكرا .. "

ثم نجلس على البساط المفروش في الساحة، و ننعم بفطور شهي لذيذ.. فمخطوبتي هذه ماهرة جدا في الطهو !

ميزة أخرى تجعلني أشعر بالزهو ...

إضافة إلى كونها طيبة القلب مثل والديها و خالها..

و أكرر في نفسي :

" الحمد لله "

لقد لعبت الأقدار دورها الدرامي معي.. و حين ألقت بي في السجن لثمان سنين ، عرّفتني على رجل عظيم، أصبحت في نهاية المطاف زوجا لابنته !

أظن أن على المرء أن يشكر الله في جميع الأحوال و لا يتذمّر من شيء ، فهو لا يعلم ما الحكمة من وراء بعض الأحداث التي يفرضها عليه القدر ...


سبحان الله


أكثر ما شدّني في الأمر ، هو أنها اعترفت لي البارحة بإعجابها بي !

برغم كل عيوبي و مساوئي، و رغم جهلها بالكثير عن ماضي و أصلي .. ألا أنها ببساطة قالت :

" أنا معجبة بك ! "

اعتقد أن لهذه الجملة تأثيرها الخاص ... و خصوصا على رجل يسمعها للمرة الأولى في حياته من لسان فتاة !


تحدّثنا عن أمور كثيرة... فوجدتها حلوة المعشر و راقية الأسلوب، و اكتشفت أنها أنهت دراستها الثانوية و درست في أحد المعاهد المحلية أيضا ...

قلت :

" كان حلمي أن أدرس في الجامعة ! "

" أي مجال ؟؟ "

" الإدارة و الاقتصاد ، كنت أطمح لامتهان إدارة الأعمال .. تخيّلت نفسي رجل أعمال مرموق ! "

و ضحكت ُ بسخرية من نفسي ...

قال :

" و هل تخلّيت عن هذا الحلم ؟؟ "

قلت بأسف :

" بل هو من تخلّى عنّي .. "

ابتسمت أروى و قالت :

" إذن فطارده ! و أثبت له جدارتك ! "

" كيف ؟؟ "

قالت :

" لم لا تلتحق بمعهد إداري محلي ؟ أتعرف.. زوج السيدة التي كانت معنا البارحة يدير أحد المعاهد و قد ييسر أمورك بتوصية من أمي ! "

بدت لكي فكرة وهمية ... كالبخار.. ألا أن أروى تحدثت بجد أكبر و جعلتني انظر للفكرة بعين الاعتبار.. و أنميها في رأسي...





أتتني دانة و أنا لا أزال على سريري و قالت :

" أحضر سامر الفطور... ألن تشاركينا ؟؟ "

لم أجب عليها، فانسحبت من الغرفة..

بعد قليل ، طرق الباب مجددا و دخل سامر هذه المرة ، و أغلق الباب من بعده ..

أقبل نحوي حتى صار جواري مباشرة ، و قال بصوت حنون أجش :

" رغد ... هل ستبقين حبيسة الغرفة هكذا ؟؟ "

و لم أجبه ...

جلس سامر على السرير و مد يده نحو رأسي، و أخذ يمسح على شعري بحنان...

" رغد .. بالله عليك .. "

لكنني لم أتفاعل معه ..

أدار وجهي نحو وجهه و أجبرني على النظر إليه ...

نظراتنا كانت عميقة ذات معنى ...

" رغد .. أنا أتعذب برؤيتك هكذا ... أرجوك .. كفى "

و لم أجب ..



قال :

" أ تحبينه لهذا الحد ؟؟ "


لما سمعت جملته هذه لم أتمالك نفسي.. و بدأت بالبكاء ...

سامر أخذ يمسح الدموع الفائضة من محجري... بلطف و عطف .. ثم قال :

" أنا .. لا أرضى عليك بالحزن .. لا أقبل أن أكون سبب تعاسة أحب مخلوقة إلى قلبي ... "

اعترى نظراتي الآن بعض الاهتمام ..

تابع هو حديثه :

" رغد .. سوف .. اتصل به الآن ، و اطلب منه الحضور .. لأخذك معه "

ذهلت ، و فتحت جفوني لأقصى حد .. غير مصدقة لما التقطته أذناي ...

قال :

" لا تقلقي.. فأنا لن أجبرك على الزواج مني.. و بمجرد عودة والدي ّ .. سأطلق سراحك ... "


شهقت ...

نطقت :

" سامر .. !! "

سامر ابتسم ابتسامة واهنة حزينة .. ثم قرب رأسي من شفتيه، و قبّل جبيني قبلة دافئة طويلة ...

بعد ذلك قال :

" سأتصل به في الحال..، هيا.. فدانة تنتظرك على المائدة .. "


و قام و غادر الغرفة ...




ما كدت أنتهي من وجبة فطوري اللذيذة الطويلة ، حتى أقبلت السيدة ليندا تستدعيني ...

" وليد يا بني ، اتصال لك .. "

تبادلت و أروى نظرة سريعة ، ثم وقفت و الاضطراب يعتريني...

قلت :

" من ؟؟ "

" شقيقك "

و زاد اضطرابي ...

أسرعت إلى الهاتف و التقطت السماعة و تحدثت بقلق :

" نعم ؟ هنا وليد "

" مرحبا يا وليد.. كيف أنت ؟ "

" بخير .. "

و صمت قليلا.. كنت متوجسا من سماع شيء سيئ ، فقد كان اتصالنا الأخير قبل ليلة فقط ...

" ما الأمر سامر ؟؟ "

" لا تقلق ! إنني فقط أريد أن أؤكد عليك الحضور الليلة .. "

فكرت في نفسي .. و من قال إنني أود الحضور ؟؟؟ لم يكن ينقصني إلا أن أشهد يوم تزف فيه رغد.. حبيبتي الغالية.. معشوقة قلبي الصغيرة إلى أخي .. و أنا واقف أتفرج و أبار ك؟؟


" آسف، لن يمكنني الحضور "

" لماذا ؟؟ "

" لدي ارتباطات أخرى.. كما أنني متعب و لا طاقة لي بالسفر.."

" و دانة ؟؟ ألا تريد رؤيتها قبل رحيلها ؟؟ "

لم أجد الجواب المناسب...

ثم قلت :

" إنها لن تتشرف بوجودي على أية حال "

" سأجعلها تحدّثك بنفسها "

ثم ناول الهاتف إلى دانة .. فسمعت صوتها يحييني و يسأل عن أحوالي ، ثم تقول :

" تعال يا وليد.. يجب أن تحضر عرسي "

" آسف ..لا أريد إحراجك أمام زوجك و أهله.. بانتسابك إلى رجل مجرم و خريج سجون "

هنا بدأت دانة بالبكاء و هي تقول :

" أرجوك وليد.. سامحني.."

لم أعقّب .. قالت :

" سأكون أتعس عروس ما لم تحضر .. من أجلي "

" ستكونين أسعد بدون حضوري "

عادت تبكي ثم قالت :

" حسنا ، ليس من أجلي .. بل من أجل رغد "

و شعرت برغبة مفاجئة في التقيؤ .. أ أحضر من أجل زف حبيبتي إلى عريسها ؟؟

إنني إن حضرت سأرتكب جريمة ثانية ، لا محالة ...

زمجرت :

" لن أحضر "

" و لا من أجلها ؟؟ "

" و لا من أجل أي كان ... "

" لكنها تريدك أن تحضر .. وليد .. أرجوك "

" يكفي يا دانة .. "

" وليد.. رغد مريضة "

هنا.. تفجر قلبي نابضا بعنف و توترت معدتي و تصلبت عضلاتي و اندفعت أنفاسي بقوة و هتفت :

" ما بها رغد ؟؟ "

ألا أ دانة لم تجب .. بل أجهشت بكاء..

و يظهر أن سامر تناول السماعة من يدها

كنت أهتف :

" دانة اخبريني ما بها رغد ؟؟ تكلمي ؟؟ "

جاءني صوت سامر قائلا :

" لا تقلق ، إنها متوترة بعض الشيء "

هتفت بقوة :

" سامر اصدقني القول .. ما بها رغد ؟؟ "

" لا تخشى شيئا يا وليد.. "

" إياكما أن يكون أحدكما قد أذاها في شيء أو أجبرها على شيء ؟؟ "

" لا ، شقيقك ليس وغدا ليجبر فتاة على الزواج منه، و هي كارهة "



كأن كتلة كبيرة من الثلج وقعت فوق رأسي.. أفقدتني السيطرة على لساني و على أطرافي بل و عيني كذلك...

كأنه أغشى علي ... كأني فقدت الوعي و الإدراك .. كأنني سبحت في فضاء رحيب من الوهم و الخيال ...

إنني فعلا على وشك إفراغ كل ما ابتلعته على الفطور خارجا من معدتي... و من فمي ...

و الشيء الذي خرج من فمي كان صوتا مبحوحا ضعيفا مخنوقا سائلا :

" ألن .. تتزوجا الليلة ؟ "

سامر لم يجب مباشرة ، ثم قال :

" إلا إذا عادت العروس و غيّرت رأيها قبل المساء ... "
بعدما أنهيت المكالمة تهالكت على معقد قريب.. و أغمضت عيني ..

كنت أريد فقط أن أتنفس .. كان صدري يتحرك بقوة ، تماما كقوة اندفاع الدم خارجا من قلبي ...

رغد لن تتزوج الليلة ...

رغد لا تزال طليقة ..

رغد لا تزال بين يدي ...



و شعرت بشيء يلامس يدي ...

فتحت عيني و لساني يكاد يصرخ :

" رغد ! "


فوقعت عيناي على أروى .. واقفة أمامي مباشرة تلامس يدي .. و تقول بابتسامة ممزوجة ببعض القلق :

" ما الأمر وليد ؟؟ "


كدت أضحك !

نعم إنني أريد الآن أن أضحك لسخرية القدر مني !

بل بدأت بالضحك فعلا ...

و أروى ضحكت لضحكي .. و هي تجهل ما حقائق الأمور ...

قالت :

" ما يضحكك وليد ؟ أضحكني معك ؟؟ "

حدّقت بها فرأيت ما لم أتمنى أن أراه ...

قلت :

" أختي دانة ستتزوّج الليلة .. "

اتسعت ابتسامتها و قالت :

" صحيح ؟ أين ؟ مبروك ! "

هززت رأسي ساخرا من حالي المضحك ، و قلت :

" حفلة صغيرة جدا ، في الشقة التي يسكنون فيها.. و هي تريد مني الحضور "

اتسعت ابتسامتها أكثر و قالت مبتهجة :

" عظيم ! رائع ! أيمكنني الذهاب معك ؟؟ "




 




عرض البوم صور بوسي رد مع اقتباس

قديم 06-24-10, 06:05 PM رقم المشاركة : 44
الملف الشخصي
إحصائية العضو






بوسي est déconnecté

علم الدولة female_egypt

افتراضي رد: رواية انت لى كاملة

الحلقة التاسعة والعشرون



********





أعد الدقائق واحدة تلو الأخرى ، في انتظار وصول وليد...

رغم أنها مجرد أيام، تلك التي فصلت بيننا مذ لقائنا الأخير ، ألا أنني أشعر بها كالشهور ...لا بل كالسنين ... نعم كالسنين التي قضيتها محرومة من رؤيته ، و معتقدة بأنه سافر يدرس.. بينما كان ...


كلما جالت هذه الخاطرة برأسي طردتها مسرعة ، و أجبرت نفسي على الفرح .. فهو سيصل اليوم في أية لحظة...

سامر تحاشى الحديث معي منذ الصباح، إنه فقط مهتم بالإعدادات للحفلة البسيطة ، و قد قام هو و دانة بترتيب مائدة في الصالة ، لاستقبال الرجال ، و أخرى في غرفة المجلس ، لاستقبال السيدات .


حاولت مساعدتهم ألا أنني كنت متعبة من آثار الصدمة التي تلقيتها مؤخرا و لم تسعفني قواي البدنية على فعل شيء أكثر من المراقبة عن كثب..



بعد تأدية صلاة العشاء ، أتتني دانة لتتحدث معي الحديث الأخير... قبل فراقنا..

ابتداء من هذه الليلة ، سوف لن يكون لدي أخت ٌ أتشاجر معها ! من سيعلّق على مظهري كلما ارتديت شيئا جديدا، من سيوبّخني كلما أخطأت ! من سيغار مني و أغار منه؟؟

من سيعلمني أشياء أجهلها و يفتح عيني على الحياة... دانة كانت بالنسبة لي .. الباب إلى الحياة ، فأنا لم أعرف من هذه الدنيا شيئا إلا عن طريقها...

و رغم أن الفرق بين عمرينا هو سنتان و نصف ، ألا أنني أشعر بنفسي صغيرة جدا أمامها .. و أحسها أختي الكبرى و معلّمتي الحبيبة ...

لذا ، عندما دخلت الغرفة و أنا لا أزال مرتدية حجاب الصلاة و قالت :


" سأتخلص منك أخيرا ! "

انفجرنا ضحكا ، ثم بكاء ... شديدا جدا .. جعل سامر يقف عند الباب مذهولا حائرا !

" لمن ستتركينني دانة ؟ سأبقى وحيدة منعزلة عن العالم من بعدك ! "

" هنيئا لك ! ستنفردين برعاية أبي و تدليله ! أنت مثل القطة رغد ! مهما كبرت تظلين تعشقين الدلال ! كان الله في عون الرجل الذي ستتزوجينه ! "

الآن صارت تشير إليه بالمجهول ! لم تذكر اسم سامر .. فهي إذن اقتنعت أخيرا بأن سامر لم يعد لي ...

نظرت أنا نحو سامر فوجدت وجهه المشوه غارقا في الحزن ... و كرهت نفسي...
كرهت قدري.. و ظروفي التي انتهت بي و به إلى هذه الحال...


أعدت نظري إلى دانة .. نظرة استغاثة.. استنجاد.. أريد من ينقذني من هذا كله.. فوجدت على وجهها ابتسامة خفيفة ، و سمعتها تهمس :

" على كل ٍ ، هو يحب تدليلك كثيرا ! "

ابتسمت ُ ، و ضممتها إلي ، و أنا أشعر بأنها المرة الأولى التي تفهمني فيها...

رباه ! كيف تغيّرت بهذا الشكل بين ليلة و ضحاها ؟؟

هل يعني أنها موافقة على و راضية عن انفصالي عن سامر ، و ارتباطي بوليد؟؟ هل تدرك هي أنني أحب وليد و وليد فقط؟؟

وليد قلبي ...

آه كم أنا متلهفة لرؤيتك ...

عد بسرعة .. اظهر فورا .. فقد أضناني الشوق و الحرمان ...




قمت بعد ذلك و لبست فستانا أهداني إياه سامر من أجل الحفلة ، و ووضعت بعض الحلي ، و التي أيضا أهداني إياها سامر... و ارتديت حذاء عالي الكعب جدا ، كالعادة ، و بصراحة .. أهداني إياه سامر أيضا !


ألا أنني لم أضع أيا من المساحيق على وجهي ، فأنا أريد مقابلة وليد قلبي وجها لوجه ...
بدوت مسرورة ، أحوم حولهما كالفراشة ... و عندما حضر الضيوف أحسنت استقبالهم و قدت النساء إلى المجلس ... كانت أم نوار و أخواته، لمياء و بشرى و رحاب ، في غاية الأناقة و الجمال.. يرتدين ملابس مبهرة و حلي كثيرة .. و قد تلوّنت وجوههن بالماكياج المتقن جدا !

شعرت ببعض الخجل من نفسي لكوني بلا ألوان ! مع ذلك ، أبدو جميلة فلا تلتفتوا لهذا الأمر !


حضرت العروس بعد ذلك ، في قمة الأناقة و الروعة .. و أخذنا نلتقط العديد من الصور التذكارية ، و سأظهر جميلة رغم كل شيء !


مر الوقت .. و مع انقضاء كل ساعة ينقضي خيط أمل في حضور وليد.. لماذا لم يحضر بعد ؟؟ أحقا سيأتي أم أنه ...


ذهبت إلى المطبخ لجلب المزيد من العصائر فإذا بي أصادف سامر هناك ، يحمل أطباق الجلي ...

قلت :

" ألم يحضر وليد ؟؟ "

سامر تظاهر بالابتسام و قال :

" ليس بعد "

قلت :

" هل أنت واثق من حضوره ؟ هل قال أنه آت ٍ بالفعل ؟؟ "

" قال أن لديه ارتباطات و مشاغل أخرى ، لكنه سيحاول الحضور ... "


نظرت إلى الساعة المعلقة على جدار المطبخ بيأس...

قال سامر :

" لا يزال الوقت مبكرا ... لا تقلقي... "

ثم غادر المطبخ ...





اعتقد إن من حقّي أن آخذ هذه المساحة بين السطور .. لأصف لكم مشاعري المجروحة ...

إذا كان هناك رجل تعيس في الدنيا فهو أنا.. كيف لا و أنا أرى مخطوبتي.. محبوبتي رغد.. تعد الدقائق بلهفة في انتظار عودة وليد.. حبيب قلبها الغالي..


أصبت بجنون ما بعده جنون ، حين اعترفت لي و بلسانها أنها تحبه هو.. و أنه السبب في قرارها الانفصال عني ، بعد خطوبة استمرت أربع سنوات أو يزيد...

أربع سنوات من الشوق و اللهفة.. و الحب و الهيام.. في انتظار الليلة التي تجمعنا أنا و هي.. عريسين في عش الزوجية.. ثم يأتي وليد.. و في غضون شهور أو ربما أيام .. يسرق قلبها مني !

رغد لم تقل لي من قبل : ( أنا أحبك ) ، و لكنها لم تقل : ( أنا لا أحبك ) ..
بل كانت الأمور فيما بيننا تجري على خير ما يرام .. حتى أخبرني وليد نفسه ذات ليلة بأنها ترغب في تأجيل زواجنا...

الشيء الذي لا أعرفه حتى هذه اللحظة ، ما إذا كان وليد يعرف بحبها له أو يبادلها الشعور ذاته ، أم لا ...

أنا أعرف أنه يحبها و يهتم بها كأخت.. أو ابنة عم .. أما كحبيبة.. كزوجة .. فهذا ما لا أعرفه و لن أحتمل صدمة معرفته ، إن كان يحبها بالطريقة التي أحبها أنا بها..


أتذكر أنها في اليوم الذي عرض عليها ارتباطنا قبل سنين قالت : ( لننتظر وليد أولا )

و لأنه كان من المفترض ألا يعود إلا بعد أكثر من عشر سنين من ذلك الوقت، فإننا عقدنا قراننا بموافقة الجميع...

و أنا أنظر إليها هذه اللحظة و هي تراقب الساعة ، أشعر بأن خلايا قلبي تتمزّق خلية ، بل ... و أنويتها تنشطر .. و ذراتها تتبعثر حول المجرّة بأكملها ...

لماذا فعلت ِ هذا بي يا رغد ؟؟

إن كنت تجهلين ، فأنا أحبك حبا لا يمكن لأي رجل في الدنيا أن يحمل في قلبه حبا مثله..

حبا يجعلني أدوس على مشاعري و أحرق أحاسيسي رغما عنها ، لأجعلك تحيين الحياة التي تريدينها مع الشخص الذي تختارينه..

و ليته كان أنا...

و إن اكتشفت أن وليد لا يكترث لك ، فإنني لن أقف صامتا ، و أدعك تبعثرين مشاعرَ أنا الأولى بها من أي رجل على وجه المعمورة ، بل سآخذك معي.. و أحيطك بكل ما أودع الله قلوب البشر من حب و مودة ، و أحملك إلى السحاب .. و إن شئت ِ .. أتحوّل إلى وليد .. أو إلى أي رجل آخر تريدين أن تصبي مشاعرك في قلبه ... فقط.. اقبلي بي...


غادرت المطبخ على عجل ، لئلا أدع الفرصة لرغد لرؤية العبرة المتلألئة في محجري...

نعم ، سأبكي لتضحكي أنت ... و سأحزن لتفرحي أنت .. و سأنكسر لتنجبري أنت .. و سأموت ... لتحيي أنت... يا حبيبة لم يعرف الفؤاد قبلها حبيبة .. و لا بعدها حبيبة .. و لا مثلها حبيبة... و سيفنى الفؤاد ، و تبقى هي الحبيبة .. و هي الحبيبة .. و هي الحبيبة ...

عندما وصل وليد، كانت الساعة تشير إلى الحادية عشر و خمس و أربعون دقيقة، أي قبل ربع ساعة من ولادة يوم جديد.. خال من رغد ...

قرع الجرس ، فأقبلت نحو الباب و سألت عن الطارق ، فأجاب :

" أنا وليد "

جمّدت مشاعري تحت طبقة من الجليد ، لا تقل سماكة عن الطبقات التي تغطي المحيط المتجمّد الجنوبي... و فتحت الباب ..

تلك الطبقة انصهرت شيئا فشيئا ، لا بل دفعة واحدة حين وقعت عيناي على الشخصين الواقفين خلفه ، وليد ، و الفتاة الشقراء !


" مرحبا ، سامر ... "

بصعوبة استطعت رد التحية و دعوتهما للدخول ...

وليد كان يرى الدهشة الجلية على وجهي مجردة من أي مداراة مفتعلة !

قال ، و هو يشير إلى الفتاة الواقفة إلى جانبه تبتسم بهدوء :

" أروى نديم ، تعرفها "

قلت :

" أأ .. أجل ... "

قال :

" خطيبتي "

و من القطب الجنوبي ، إلى أفريقيا الاستوائية !


اعتقد أنكم تستطيعون تصوّر الموقف خيرا من أي وصف أنقله لكم !

" خـ ... طيبتك !! "

" نعم ، ارتبطنا البارحة "

نظرت إلى الفتاة غير مصدّق ، أطلب منها تأكيدا على الكلام ، ابتسمت هي و نظرت نحو وليد ..

وليد قال :

" أ لن تبارك لنا ؟؟ "

" أأ ... نعم ...طبعا ... لكنني تفاجأت ، تفضلا على العموم ، مبروك لكما .. "

و قدتهما أولا إلى المجلس ، حيث النسوة...

طرقت الباب و أنا أنادي أختي دانة... ، فتحت هذه الأخيرة لي الباب و خرجت من فتحته الضيقة ، و حالما أغلقته انتبهت لوليد ...

" وليد ! "

أشرق وجهها و تفجرت الأسارير عليه .. ثم فتحت ذراعيها و أطبقت عليه معانقة إياه عناقا حميما...

" نعم .. كنت أعلم بأنك ستأتي و لن تخذلني ، فأنت لم تخذلني ليلة خطوبتي.. أنا سعيدة جدا.. "

وليد قال :

" مبروك عزيزتي... أتم الله سعادتك و بارك لك زواجك .. "

بعد ذلك ، رفعت رأسها لتنظر إليه ، ثم دفنته في صدره و هي تقول :

" سامحني... لم أكن أعلم .. سامحني يا أخي الحبيب .. أنا فخورة بك.. و أتباهى أمام جميع المخلوقات .. بأن لي أخا مثلك.. سامحني .. "

وليد ربت على ظهر دانة بحنان ، و إن كانت الدهشة و الحيرة تعلوان وجهه ، و قال مواسيا :

" لا بأس عزيزتي .. لا تبكي و إلا أفسدت ِ زينتك ، و غير المغرور رأيه بك ! "

رفعت دانة رأسها و انفجرت ضحكا ، و وكزته بمرفقها و هي تقول :

" لم تتغير ! سوف أطلب من نوّار أن يضربك قبل خروجنا ! "

قلت أنا :

" احذري ! و إلا خرج عريسك بعاهة مستديمة ! "

و ضحكنا بانفعال نحن الثلاثة...

التفت وليد للوراء حتى ظهرت خطيبته الجديدة ، و التي كانت تقف على بعد خطوات ...

قال :

" اقتربي أروى "

اقتربت الفتاة و هي تنظر نحو العروس ، و تحييها ..

" مبروك دانة ! كم أنت جميلة ! "

دانة حملقت في الفتاة قليلا ثم قالت محدثة وليد :

" هل حضرت عائلة المزارع ؟؟ "

وليد قال :

" أروى فقط.. "

فتعجبت دانة ، فوضّح :

" خطيبتي "

طغى الذهول على وجهها ربما أكثر مني ، قالت باستغراب شديد :

" خطيبتك !! "

قال وليد :

" نعم ، عقدنا قراننا البارحة... باركي لنا "

الاضطراب تملّك دانة ، و حارت في أمرها و لزمت الصمت لوهلة ، ألا أنها أخيرا تحدّثت :

" فاجأتماني ...بشدّة ! ... مبروك على كل حال "

و كان واضحا لنا، أو على الأقل واضحا لي استياؤها من المفاجأة...

قلت :

" فلتتفضل الآنسة ... "

دانة التفتت إلى أروى و قالت :

" تفضلي "

و فتحت الباب لتسمح لها بالدخول ... و قالت مخاطبة إيّاي :

" رغد في غرفتها .. ذهبت لاستبدال فيلم الكاميرا ... "

و كان القلق جليا على ملامحها ...

قال وليد :

" جيد ! أ أستطيع رؤيتها ؟؟ "

تبادلنا أنا و دانة النظرات ذات المعنى .. و قالت هي :

" نعم ، سأدخل لأقدّم أروى للجميع "

و دخلت الغرفة و أغلقت الباب تاركة إياي في المأزق بمفردي !

وليد التفت إلي و قال :

" أريد إلقاء التحية عليها.. إن أمكن "

أنا يا من كنت أدرك أنها تنتظره بلهفة منذ ساعات... و أنها ستطير فرحا متى ما رأته .. لم أملك من الأمر شيئا ..

قلت باستسلام :

" أجل ، تفضل ... "

و قدت ُ بنفسي ، حبيب خطيبتي إلى غرفتها لكي تقابله ...

طرقت الباب و قلت :

" رغد .. وليد معي "

قاصدا أن أنبهها لحضوره ، لكي ترتدي حجابها..

ألا أنني ما كدت أتم الجملة ، حتى انفتح الباب باندفاع سريع ، و ظهرت من خلفه رغد على حالها .. و هتفت بقوة :

" وليد ! "


أي رجل في هذا العالم ، يحمل ذرة حب واحدة لخطيبته ، أو حتى ذرة شعور بالملكية و الغيرة ، فإنه في لحظة كهذه سيرفع كفيه و يصفع وجهي الشخصين الماثلين أمامه في مشهد حميم كهذا ... ألا أنني أنا ... سامر العاشق المسلوب الحبيبة .. المغطّي لمشاعره بطبقة من الجليد .. وقفت ساكنا بلا حراك و بلا أي ردّة فعل .. أراقب خطيبتي و هي ترتمي في حضن أخي بقوة .. و تهتف بانفعال :

" وليد .. لماذا لم تخبرني .. لماذا .. لماذا .. "




و إن كنت أتظاهر بالبرود و الصمود ، ألا أن ما بداخلي كان يشتعل كالحمم...

و إن كنت أتظاهر بأنني فقط أود إلقاء التحية ، فإن حقيقة ما بداخلي هي أنني متلهف لرؤية صغيرتي الحبيبة و الإحساس بوجودها قريبة مني ...

لقد كنت أسير خطوة خطوة.. و مع كل خطوة أفقد مقدارا من قوتي كما يفقد قلبي السيطرة على خفقاته ، فتأتي هذه الأخيرة عشوائية غير منظمة .. تسبق الواحدة منها الأخرى...

و حين فتح الباب.. كنت قد أحرقت آخر عصب من جسدي من شدة التوتر.. لدرجة أنني لم أعد أحس بشيء..

أي شيء ..

لم أع ِ إلا و قذيفة ملتهبة قوية تضرب صدري .. تكاد تكسر ضلوعي و تخترق قلبي...

بل إنها اخترقته ..

فرغد لم تكن تقف أمامي بل .. كانت تجلس في قلبي متربعة على عرش الحكم.. تزيد و تنقص ضرباته قدر ما تشاء .. تعبث بأعصابه كيفما تشاء.. تسيّر أحاسيسه حسبما تريد...

و لأنني كنت مذهولا و فاقدا للسيطرة على حركاتي تماما ، فقد بقيت ساكنا.. دون أي ردّة فعل ...


كان صدري مثل البحر .. غاصت صغيرتي في أعماقه و قطعته طولا و عرضا .. و خرجت منه مبللة بالدموع و هي تنظر إلي و تهتف :

" لماذا لم تخبرني ؟؟ لماذا يا وليد ؟ لم أخفيت عنّي كل هذه السنين ؟؟ "

شيء ما بدأ يتحرّك في دماغي المغلق .. و يفتح أبواب الوعي و الإدراك لما يدور من حولي ...

بدأت أنتبه لما تقوله صغيرتي .. و بدأت أحس بأظافرها المغروسة في لوحي كتفي ّ كالمسامير ... و بدأت أرى اللآليء المتناثرة من محجريها ... أغلى ما في كوني ...

لا شعوريا رفعت يدي إلى وجهها أردم سيل العبر ...

" لا تبكي صغيرتي أرجوك .. "

فأنا أتحمّل أي شيء في هذه الدنيا ، إلا أن أرى دموع غاليتي تتبعثر سدى...

إنني أشعر بحرارة شديدة أجهل مصدرها الحقيقي ...

أهو داخلي ؟ أم حضن صغيرتي ؟ أم الشرر المتطاير من عيني ّ أخي، اللتين تحملقان بنا بحدّة..

رغد أزاحت يديها عني ، و ابتعدت خطوة.. و ذلك أثار توترا في المسافة التي بيننا.. تماما كالتوتر الذي يولّده ابتعاد قطعة حديد صغيرة عن مغناطيس !

قالت :

" لقد اكتشفت ذلك الآن فقط .. لماذا لم تخبرني بأنك .. بأنك .. كنت في السجن ؟؟ "

و إن كانت مشاعري قبل قليل مخدّرة من تأثير قرب رغد ، فإنها استيقظت كلها دفعة واحدة فجأة.. و تهيّجت .. فصرت أشعر بكل شيء ، حتى بحرارة البراكين الخامدة في اليابان !

نقلت نظري من رغد ، إلى سامر ، إلى رغد ، إلى سامر ... و حين استقرّت عيناي عليه، رأيت قنبلة متوهجة ، على وشك الانفجار...

لطفك يا رب ...

قلت أخيرا :

" أنت من أخبرها ؟؟ "

سامر لم يجب بكلمة ، بل بإيماءة و تنهيدة قوية نفثها صدره .. و شعرت أيضا بحرارتها...

أعدت النظر إلى رغد.. فاسترسلت في سؤال :

" لماذا لم تخبرني؟؟ "

أخبرك ؟؟ بأي شيء يا رغد ؟؟ أ لم تري الطريقة التي عاملتني بها دانة ، بل و الناس أجمعون؟

أتراك تنظرين إلي ّ الآن مثلهم ؟؟

لا يا رغد .. أرجوك لا ..

قلت بلا حول و لا قوة :

" ما حصل..، لكن... أرجو ألا يغيّر ذلك أي شيء ؟؟ "

و انتظرت إجابتها بقلق...

قالت :

" بل يغيّر كل شيء ... "

و أذهلتني هذه الإجابة بوضوحها و غموضها المقترنين في آن واحد...

قالت:

" وليد ... وليد أنا ... "

و لم تتم ، إذ أن دانة ظهرت في الصورة الآن مقبلة نحو غرفة رغد.. و تكسوها علامات القلق...

جالت بمقلتيها بيننا نحن الثلاثة و استقرت على سامر...
شعرت أنا بأن هناك شيء يدور في الخفاء أجهله ...

سألت :

" ما الأمر ؟؟ "

لم يجب أي منهم بادىء ذي بدء ألا أن دانة قالت أخيرا، مديرة دفة الحديث لمنعطف آخر:

" رغد ! الكاميرا ! سنستدعي نوّار الآن ! "

ثم التفتت نحو سامر :

" إنه منتصف الليل ! هيا استدعه ! "

و يبدو أن ترتيباتهم كانت على هذا النحو ، أن يدخل العريس إلى تلك الغرفة لالتقاط بعض الصور مع العروس و مع قريباته قبل المغادرة "

سامر نطق أخيرا :

" سأستدعيه... أخبريهن "

و رغد تحرّكت الآن من أمامي متجهة نحو المنضدة و من فوقها تناولت الكاميرا و أقبلت نحو دانة و مدّت الكاميرا إليها ، فقالت دانة:

" أعطها لسامر الآن .. "

التفتت رغد نحو سامر .. و قدّمتها إليه...

سامر نظر إلى رغد نظرة عميقة.. جعلتها تطأطىء رأسها أرضا ...

أخذ سامر الكاميرا منها.. و قال ..

" سنلتقط له معنا بعض الصور ثم نعيدها إليكن .. "

قال ذلك و وجه خطاه نحو الصالة...

هممت ُ أنا باللحاق به... ألا أنني توقفت ، و التفت إلى رغد ... و قلت :

" كيف قدمك الآن ؟ "

رغد و التي كانت لا تزال مطأطئة برأسها رفعته أخيرا و نظرت إلي مبتسمة و قالت :

" طاب الجرح... "

قلت :

" الحمد لله "

ثم أوليتها ظهري منصرفا إلى حيث انصرف أخي ...


كنت مجنونة، لكنني لم أتمالك نفسي بعدما رأيت وليد يقف أمامي... بطوله و عرضه و شحمه.. جسده و أطرافه... و عينيه و أنفه المعقوف أيضا ...

كأن سنينا قد انقضت مذ رأيته آخر مرة ، ينصرف من هذه الشقة جريحا مكسور الخاطر ...

اندفعت إليه بجنون... و أي جنون !

ظللت أراقبه و هو يوّلي .. حتى اختفى عن ناظري.. و بقيت محدّقة في الموضع الذي كان كتفاه العريضان يظهران عنده قبل اختفائه،و كأنني لازلت أبصر الكتفين لأمامي !

" رغد ! "

نادتني دانة ، فحررت أنظاري من ذلك الموضع و التفت إليها... و رأيتها تحدّق بي و علامات غريبة على وجهها...

أنا ابتسمت .. لقد قرّت عيني برؤية وليد قلبي.. و لأنه هنا ...، فقط لأنه هنا ، فإن هذا يعطيني أكبر سبب في الحياة لابتسم !




 




عرض البوم صور بوسي رد مع اقتباس

قديم 06-24-10, 06:06 PM رقم المشاركة : 45
الملف الشخصي
إحصائية العضو






بوسي est déconnecté

علم الدولة female_egypt

افتراضي رد: رواية انت لى كاملة

لا أعرف لم كانت نظرة دانة غريبة.. ممزوجة بالأسى و القلق.. قلت :

" ما بك ؟ "

" لا ... لا شيء "

" سأغسل وجهي و أوافيكن... "

و أسرعت قاصدة الحمّام ... طائرة كالحمامة !


بعد ذلك ، ذهبت إلى غرفة المجلس...مرتدية حجابي ، إذ أنني سأبقى لأتفرج على العريسين و لمياء تلتقط الصور لهما..

جميعهن كن يجلسن في أماكنهن كما تركتهن قبل قليل، نظرن إلي ّ جميعا حالما دخلت.. فابتسمت في وجوههن...

فجأة لمحت وجها غريبا في غير موقعه !

وجه أروى الحسناء !

دُهشت و علاني التعجب ! وقفت هي مبتسمة و قائلة :

" مرحبا رغد ! كيف حالك ؟ و كيف صحتك ؟؟ "

" أروى ! "

" مفاجأة أليس كذلك ؟؟ "

اقتربت منها و صافحتها و الدهشة تتملكني...و نظرت في أوجه الأخريات بحثا عن وجه أم أروى ... أو حتى وجه العجوز !

قلت :

" أهلا بك ! أحضرت ِ بمفردك ؟؟ "

ابتسمت و قالت :

" مع وليد "

مع من ؟؟ مع وليد ؟؟ ماذا تقصد هذه الفتاة ؟؟

" مع وليد ؟؟ "

ازدادت ابتسامتها اتساعا و حمرة وجنتيها حمرة و بريق عينيها بريقا ... و التفتت نحو دانة ثم نحوي و قالت :

" ألم تخبرك دانة ؟؟ "

التفت نحو دانة و أنا في غاية الدهشة و القلق.. و رميتها بنظرات متسائلة حائرة..
دانة أيضا نظرت إلي بنفس القلق.. ثم قالت :

" إنها ... إنها و وليد... "

و لم تتم...

نظرت إلى أروى ، فسمعتها تقول متمة جملة دانة ، تلك الجملة التي قضت علي و أرسلتني للهلاك فورا :

" ارتبطنا .. البارحة "


عفوا ؟؟ عفوا ؟؟ فأنا ما عدت أسمع جيدا من هول ما سمعت أذناي مؤخرا ! ماذا تقول هذه الفتاة ؟؟

" ماذا ؟؟ "

و رأيتها تبتسم و تقول :

" مفاجأة ! أ ليس كذلك ؟؟ "

نظرت إلى دانة لتسعفني ...

دانة أنقذيني مما تهذي به هذه ... ما الذي تقوله فلغتها غريبة.. و شكلها غريب.. و وجودها في هذا المكان غريب أيضا...

دانة نظرت إلي بحزن ، لا ... بل بشفقة ، ثم أرسلت أنظارها إلى الأرض...

غير صحيح !

غير ممكن .. مستحيل ... لا لن أصدّق ...

" أنت و .. وليد ماذا ؟؟ ار... تبطـ.. ـتما ؟؟ "

" نعم ، البارحة ..و جئت معه كي أبارك للعريسين زواجهما.."


خطوة إلى الوراء، ثم خطوة أخرى.. يقترب الباب مني، ثم ينفتح.. ثم أرى نفسي أخرج عبره.. ثم أرى الجدران تتمايل.. و السقف يهوي.. و الأرض تقترب مني.. و الدنيا تظلم.. تظلم.. تظلم..و يختفي كل شيء...


" سامر .. تعال بسرعة"

هتاف شخص ٌ ما.. يدوي في رأسي.. أيدي أشخاص ما تمسك بي.. أذرع أشخاص ما تحملني.. و تضعني فوق شيء ما.. مريح و واسع..
أكفف تضرب وجهي.. أصوات تناديني.. صياح.. دموع.. لا ليست دموع.. إنها قطرات من الماء ترش على وجهي.. أفتح عيني.. فأرى الصورة غير واضحة.. كل شيء مما حولي يتمايل و يتداخل ببعضه البعض.. الوجوه، الأيدي.. السقف.. الجدران.. أغمض عيني بشدة.. أحرّك يدي و أضعها فوق عيني ّ .. لا أتحمل النور المتسلل عبر جفنيّ .. أشعر بدوار.. سأتقيأ.. ابتعدوا.. ابتعدوا...





عندما استردّت رغد وعيها كاملا، كان ذلك بعد بضع دقائق من حضورنا إلى الممر و رؤيتنا لها مرمية على الأرض...

كنا قد سمعنا صوت ارتطام ، شيء ما بالأرض أو الجدران ، ثم سمعنا صوت دانة تهتف :

" سامر ..تعال بسرعة"

قفزنا نحن الاثنان، أنا و سامر هو يهرول و أنا أهرول خلفه تلقائيا حتى وصلنا إلى هناك..
دانة كانت ترفع رأس رغد على رجلها و تضرب وجهها محاولة إيقاظها.. و رغد كانت مغشي عليها...


أسرعنا إليها ، و مددت أنا يدي و انتشلتها عن الأرض بسرعة و نقلتها إلى سريرها و جميعنا نهتف

" رغد.. أفيقي... "

صرخت :

" ماذا حدث لها ؟؟ "

دانة أسرعت نحو دورة المياه، و عادت بمنديل مبلل عصرته فوق وجه رغد، و التي كانت تفتح عينيها و تغمضهما مرارا...

استردت رغد وعيها و أخذت تجول ببصرها فيما حولها.. و تنظر إلينا واحدا عقب الآخر...

قال سامر :

" سلامتك حبيبتي... هل تأذيت ؟؟ "

قالت دانة :

" أأنت على ما يرام رغد ؟؟ "

قلت أنا :

" ما ذا حدث صغيرتي ؟؟ "

نظرت رغد إلي نظرة غريبة.. ثم جلست و صاحت :

" سأتقيأ "



بعدما هدأت من نوبة التقيؤ ، وضعت رأسها على صدر سامر و طوقته بذراعيها و أخذت تبكي ...

سامر أخذ يمسح على رأسها المغطى بالحجاب... و يتمتم :

" يكفي حبيبتي، اهدئي أرجوك.. فداك أي شيء..."

قلت :

" صغيرتي ؟؟ "

رغد غمرت وجهها في صدر سامر... مبلله ملابسه بالدموع..

" صغيرتي ..؟؟ "

" دعوني وحدي.. دعوني وحدي .. "

و أجهشت بكاء شديدا...

لم أعزم الحراك و لم استطعه، ألا أن دانة قالت لي :

" لنخرج وليد "

قلت بقلق :

" ماذا حدث يا دانة ؟؟ "

قالت :

" قلت لك... إنها مريضة! هذه المرة الثالثة التي يغشى عليها فيها منذ الأمس... "

صعقني هذا النبأ..

قلت مخاطبا رغد:

" رغد هل أنت بخير..؟؟ "

لم تلتف إلي ، بل غاصت برأسها أكثر و أكثر في صدر سامر و قالت :

" دعوني وحدي... دعوني وحدي.."



يد دانة الآن أمسكت بيدي ، و حثّتني على السير إلى الخارج، ثم أغلقت الباب...

حاولت التحدث معها ألا أنها اعترضت حديثي قائلة :

" سوف أعود لأطمئن ضيفاتي.. وليد استدع نوّار ... "


و انصرفت...

بقيت واقفا عند باب غرفة رغد غير قادر على التزحزح خطوة واحدة.. ماذا حل ّ بصغيرتي ؟؟ و لماذا تتشبث بسامر بهذا الشكل ؟؟ هل صحتها في خطر؟ هل عدلت عن فك ارتباطها به ؟ ماذا يحدث من حولي..؟؟


لحظات و إذا بي أرى دانة تظهر من جديد

" وليد أ لم تتحرك بعد ! هيا استدعه "

" حسنا.. "

و عدت إلى صالة الرجال، و رأيتهم أيضا متوترين يتساءلون عما حدث، طمأنتهم و استدعيت العريس و قدته إلى مجلس النساء.. حيث قامت والدته أو إحدى شقيقاته بالتقاط الصور التذكارية لهن مع العريسين...

أروى كانت بالداخل أيضا..

عدت إلى بقية الضيوف و أنا مشغول البال .. بالكاد ابتسم ابتسامة مفتعلة في وجه من ينظر إلي...


فيما بعد، جاء نوّار و قال :

" سننطلق إلى الفندق الآن.."

و كان من المفروض أن يسير موكب العريسين إلى أحد الفنادق الراقية، حيث سيقضي العريسان ليلتهما قبل السفر يوم الغد مع بقية أفراد عائلة العريس إلى البلدة المجاورة و من ثم يستقلون طائرة راحلين إلى الخارج...


سامر كان من المفترض أن يقود هذا الموكب..

ذهبت إلى غرفة رغد.. و طرقت الباب..

" سامر.. العريسان يودان الذهاب الآن.."

فتح الباب، و خرج سامر.. ينظر إلي بنظرة ريب ..

قلت:

" كيف رغد؟؟ "

قال بجمود :

" أفضل قليلا"

أردت أن أدخل للاطمئنان عليها، لكن سامر كان يقف سادا الباب.. حائلا دون تقدّمي و تحرجت من استئذانه بالدخول..

قلت :

" إنهما يودان الانصراف الآن... "

سامر نظر إلي ّ بحيرة .. ثم قال :

" أتستطيع مرافقتهما ؟؟ "

" أنا ؟؟ "

" نعم يا وليد، فرغد لن تتمكن من الذهاب معنا و علي البقاء معها "

فزعت، و قلت:

" أهي بحالة سيئة؟ "

" لا، لكنها لن ترافقنا ، بالتالي سأبقى هنا "

" إنني أجهل الطريق.. "

" اطلب من أحد أخوته مرافقتكم..."

لم تبد لي فكرة حسنة، قلت معترضا:

" اذهب أنت يا سامر، و أنا باق هنا مع رغد و أروى..."




أقبلت دانة الآن، و سألت عن حال رغد، ثم دخلت إلى غرفتها...




" أنا تعيسة جدا "

كان هذا جوابي على سؤال دانة التي أتتني بقلق لتطمئن علي..

دانة جلست إلى جواري على السرير و أخذت تواسيني.. ألا أن شيئا لا يمكنه مواساتي في الصاعقة التي أحلّت بي...


" أرجوك يا رغد.. كفى عزيزتي.. ألن تودّعينني ؟ إنني راحلة عنك للأبد ! "

و جاءت جملتها قاصمة لظهري...

" لا ! لا تذهبي و تتركيني ! سأكون وحيدة ! أريد أمي .. أريد أمي..."

و بكيت بتهيج..

" يكفي يا رغد ستجعلينني أبكي و أنا عروس في ليلة زفافي التعسة ! "

انتبهت لنفسي أخيرا.. كيف سمحت لنفسي بإتعاس أختي العروس في أهم ليالي عمرها؟ ألا يكفي أنها حرمت من حفل الزفاف الضخم الذي كانت تعد له منذ شهور... و خسرت كل ملابسها و حليها و أغراض زفافها.. و احترق فستان العرس تحت أنقاب المدينة المدمّرة !؟

طردت بسرعة الدموع المتطفلة على وجهي، و أظهرت ابتسامة مفتعلة لا أساس لها من الصحة و قلت :

" عزيزتي سأفتقدك ! ألف مبروك دانة "

تعانقنا عناقا طويلا.. عناق الفراق.. فبعد أكثر من 15 عاما من الملازمة المستمرة 30 يوما في الشهر، نفترق..و دموعنا مختلطة مع القبل...



قدم سامر.. و قال :

" هيا دانة .. "

صافحتها و قبلتها للمرة الأخيرة... ثم جاء دور سامر، و من ثمّ الرجل الضخم الذي كان يقف في الخارج عند الباب مباشرة...

لم استطع أن ألقي عليه و لا نظرة واحدة.. لم أشأ أن أنهار من جديد.. اضطجعت على سريري، و سحبت الغطاء حتى أخفيت وجهي أسفل منه...


سمعت سامر يقول :

" سآخذهما للفندق و أعود مباشرة.. وليد و خطيبته سيبقيان معك "

و لم تهز في ّ هذه الجملة شعرة واحدة ، بل أغمضت عيني و أنا أقول :

" سأنام.."

أحسست بالجميع يغادرون الغرفة و يغلقون الباب، ثم اختفت الأصوات و الحركات.. لقد غادر جميع الضيوف.. و في الشقة لم يبق إلا أنا.. و وليد.. و الأجنبية الدخيلة...


دخلت في نوم عميق أشبه بالغيبوبة.. ألا أنني في لحظة ما..أحسست بدخول شخص ما إلى الغرفة.. و اقترابه مني.. ثم شعرت بيد تمتد إلى لحافي فتضبطه فوقي، ثم تمسح على رأسي من فوق حجابي الذي لم أنزعه، ثم توهمت سماع همس في أذني ...

" أحلام سعيدة يا حبيبتي"

و ابتعد المجهول.. و سمعت صوت انغلاق الباب..

فتحت عيني الآن فوجدت الغرفة غارقة في السكون و الظلام.. هل كان ذلك وهما؟؟ هل كان تهيؤا ؟؟ حلما؟؟
لست أكيدة..
و إن كان حقيقة ، فالشيء الذي سأكون أكيدة منه ، هو أن الشخص كان سامر...




استخدمت غرفتي السابقة بينما جعلت أروى تستعمل غرفة العروس، للمبيت تلك الليلة...

لقد كنت شديد القلق على صغيرتي .. و لم أنم كما يجب..

كنا قد قررنا البقاء ليومين قبل معاودة الرحيل، و كان هذان اليومان من أسوأ أيام حياتي !

رغد كانت مريضة جدا و ملازمة للفراش، و سامر كان يمنعني من الدخول إلى غرفتها أغلب المرات، و في المرات القليلة التي سمح لي بإلقاء نظرة، كنت أرى رغد شاحبة جدا و مكتئبة للغاية ، ترفض الحديث معي و تطلب منا تركها بمفردها
ضاق صدري للحالة التي كانت عليها و سألت سامر:

" ماذا حدث لها ؟ هل حدث شيء تخفونه عني؟ لم هي كئيبة هكذا؟؟ هل آذاها أحد بشيء ؟؟ "

قال سامر :

" إنها كئيبة لفراق دانة ، فكما تعرف كانت تلازمها كالظل... "

" لكن ليس لهذا الحد.. أنا أشعر بأن في الأمر سر ما.. "

نظر إلي شقيقي نظرة ارتياب و قال :

" أي سر؟؟ "

قلت :

" ليتني أعرف... "

كنا خلال هذين اليومين نتناول وجباتنا أنا و أروى في المطاعم، و في الليلة الأخيرة، عندما عدنا من المطعم ، وجدنا رغد و سامر في غرفة المائدة يتناولان العشاء...

فرحت كثيرا، فهي علامة جيدة مشيرة إلى تحسّن الصغيرة..

قلت :

" صغيرتي.. حمدا لله على سلامتك، أتشعرين بتحسّن ؟؟ "

رغد نظرت نحوي بجمود ، ثم نحو أروى ، ثم وقفت ، و غادرت الغرفة ذاهبة إلى غرفة نومها...

وقف سامر الآن و نظر إلي بعصبية :

" أ هذا جيّد؟ ما كدت أصدق أنها قبلت أخيرا تناول وجبة.. "

قلت بانزعاج :

" هذه حال لا يصبر عليها، لسوف آخذها إلى الطبيب.. "

و سرت مسرعا نحو غرفتها ، فأقبل شقيقي من بعدي مسرعا :

" هيه أنت.. إلي أين ؟؟ "

التفت إليه و قلت :

"سآخذ الفتاة للمستشفى "

قال بغيظ :

" من تظن نفسك؟ ألا تراني أمامك؟؟ خطيبتك هي تلك و ليست هذه "

قلت مزمجرا :

" قبل أن تكون خطيبتك هي ابنة عمّي ، و إن كنت نسيت فأذكرك بأنها ستنفصل عنك، و لتعلم إن كنت جاهلا بأن أمورها كلها تهمني و أنا مسؤول عنها كليا ، مثل والدي تماما "

و هممت بمد يدي لطرق الباب و من ثم فتحه ، ألا أن سامر ثار... و أمسك بيدي و أبعدها بقوة..

تحررت من مسكته و هممت بفتح الباب ألا أنه صرخ :

" ابتعد "

و قرن الصرخة بانقضاض على ذراعي، و سحب لي بقوة...

دفعت به بعيدا عني فارتطم بالجدار، ثم ارتد إلي و لكمني بقبضته في بطني لكمة عنيفة...

اشتعلت المعركة فيما بيننا و دخلنا في دوامة جنونية من الضرب و الركل و اللطم و الرفس..

أروى واقفة تنظر إلينا بذهول.. و باب غرفة رغد انفتح .. و ظهرت منه رغد مفزوعة تنظر إلينا باستنكار و توتّر

" سامر... وليد... يكفي ... "

ألا أن أحدنا لم يتوقّف...

في العراك السابق كان سامر يستسلم لضرباتي .. أما الآن ، فأجده شانا الهجوم علي و يضربني بغيظ و بغض.. كأن بداخله ثأرا يود اقتصاصه مني...


بعد لحظات من العراك، و يد الغلبة لي، و أنا ممسك بذراع أخي ألويها للوراء و أؤلمه ، جاءت رغد تركض نحوي صارخة :

" أترك خطيبي أيها المتوحّش "

و رأيت يديها تمتدان إلي ، تحاولان تخليص سامر من بين يدي...

أمسكت بذراعي و شدّتني بقوة، فحررت أخي من قبضتي و استدرت لأواجهها...

صرخت بوجهي :

" وحش.. مجرم.. قاتل.. أكرهك.. أكرهك.. أكرهك "

و بقبضتيها كلتيهما راحت تضربني على صدري بانفعال ضربة بعد ضربة بعد ضربة... و أنا وقف كالجبل بلا حراك.. أشاهد.. و اسمع.. و أحس.. و أتألم..
و أحترق... و أتزلزل ... و أموت....




 




عرض البوم صور بوسي رد مع اقتباس

قديم 06-24-10, 06:08 PM رقم المشاركة : 46
الملف الشخصي
إحصائية العضو






بوسي est déconnecté

علم الدولة female_egypt

افتراضي رد: رواية انت لى كاملة

الحلقة الثلاثون



********










][ القصة الكاملة ][






بعد سيل الضربات القوية التي وجهتها إلى صدر وليد ، بانفعال و ثورة.. بغضب و غيظ و قهر.. شعرت بألم في يدي ّ كان هو ما جعلني أوقف ذلك السيل...

رفعت رأسي إليه، فرأيته ينظر إلي بجمود .. لم تهزه ضرباتي و لم توجعه!
من أي نوع من الحجر أنت مخلوق؟؟ من أي نوع من المعادن صدرك مصنوع؟؟ ألا تحس بي؟؟

عيناي كانتا مغرورقتين بالعبرات الحارقة.. تمنيت لو يمسحها.. تمنيت لو يضمني إلى صدره..

تمنيت.. لو أصحو من النوم ، فأكتشف أن أروى هي مجرد حلم.. وهم .. لا وجود له..و كم كانت أمان ٍ مستحيلة التحقق...

كان وليد ينظر إلي بعمق، كانت نظراته تنم عن الحزن.. و الاستسلام... فهو لم يقاومني و لا يبعدني.. بل تركني في ثورة غضبي أفرغ على صدره دون إدراك.. كل ما كتمته من غيظ مذ علمت بنبأ ارتباطه...

ابتعدت عنه، التفت إلى سامر، ثم إلى أروى، ثم إلى وليد مجددا... ثم ركضت داخلة غرفتي و صافعة الباب بقوة...

لم أسمح لسامر بالدخول عندما أراد ذلك بعد قليل، و بقيت أبكي لساعات...

في اليوم التالي، عندما خرجت من غرفتي قاصدة المطبخ، لمحت غرفة دانة سابقا ، الدخيلة حاليا مفتوحة الباب...

اقتربت منها بحذر .. و ألقيت نظرة شاملة عليها كانت خالية من أي أحد ..

أسرعت نحو غرفة وليد.. فوجدتها الأخرى مفتوحة و لا وجود لأي شيء يشير إلى أن وليد لم يرحل...

ركضت بسرعة نحو الصالة، رأيت سامر يجلس هناك شاردا ..
حين رآني ، ابتسم و وقف و ألقى علي تحية الصباح ..

قلت بسرعة :

" أين وليد ؟؟ "

ألقى علي سامر نظرة متألمة ثم قال :

" رحل "

صعقت ... هتفت :

" رحل ؟؟ متى ؟؟ "

قال :

" قبل قليل.. "

مستحيل ! لا ... غير ممكن ...

صرخت :

" لماذا تركته يرحل ؟؟ "

نظر إلي سامر بحيرة ..صرخت مجددا :

" لماذا تركته يرحل ؟؟ "

قال سامر مستاء ً :

" و هل كنت تتوقعين مني أن أربطه إلى المقعد حتى لا يذهب ؟ أخذ خطيبته و أغراضهما و ولا خارجين دون سلام "

صرخت :

" كان يجب أن تمنعه ! الحق به.. دعه يعود .. أعده إلي حالا "

سامر هتف بعصبية :

" لا تثيري جنوني يا رغد.. ماذا تريدين به ؟ لقد تزوّج من أخرى و قضي الأمر "

صرخت بقوة :

" لا "

" رغد ! "

" لن أصدّق.. إنكم تكذبون ... كلكم تكذبون.. وليد لم يرتبط بأحد.. وليد لم يدخل السجن.. وليد لم يقتل أحدا.. وليد لن يتخلّى عني...لن يبتعد عني.. أعده إلي.. أعده إلي..أعده إلي.. "

و انهرت باكية..حسرة على وليد قلبي

و على هذه الحال بقيت أياما... اشتد علي المرض و السقم.. و تدهورت حالتي النفسية كثيرا..كما ساءت حالة سامر و أصبح عصبيا جدا..و صرنا نتشاجر كل يوم..و الحال بيننا لا تطاق..

ما زاد الأمر سوءا هو أننا كلما اتصلنا بوالدي ّ وجدنا الهاتف مغلقا، و عندما اتصلنا بالفندق الذي كانا ينزلان به أُبلغنا بأنهما قد غادراه...

انقطعت أخبارهما عنا عدة أيام و حلّ التوتر الفظيع علينا و امتزجت المشاكل و المخاوف و المشاجرات مع بعضها البعض، و تحوّلت حياتنا أنا و سامر إلى جحيم... و جحيمنا صار يتفاقم و يتضاعف يوما بعد يوم، إلى أن طغى الطوفان المدمّر و حلّت الصاعقة الكبرى...أخيرا...




التحقت بمعهد إداري في مبنى قريب من المزرعة، و بتوفيق من الله أولا ، ثم بمساعدة من العم إلياس و السيدة ليندا، أصبحت طالبا رسميا في المعهد.

الحياة بدت مختلفة، و كل شيء سار على خير ما يرام، حظيت أخيرا بشيء من الراحة و السعادة..
خطيبتي..كانت إنسان رائع جدا.. في الأخلاق و الطيبة و المشاعر و الجمال و كل شيء... نعمة من رب السماء ..

حاولت جاهدا أن أصرف مشاعري نحوها... و أودع فيها ما يكنه قلبي من الحب و الحنان ، ألا أن رغد.. لم تسمح لي بذلك...

فقد كانت محتلة القلب من أول وريد إلى آخر شريان...و بُعدها و صحتها المتدهورة ما زاداني إلا تعلقا بها و لهفة إليها... و كلما تسللت يداي إلى الهاتف، و أدارتا رقم الشقة، ذكرني عقلي بكلماتها الأخيرة القاتلة... فوضعت السماعة و ابتعدت ...

لم أتصل للسؤال عن أي فرد من أسرتي، و أقنعت نفسي بأنني لم أعد أنتمي إليهم.. و أن عائلتي الحقيقية هي عائلة نديم رحمه الله...

لذلك ، حين وردتني مكالمة من سامر بعد أيام حاولت تصريفها، ألا أن أروى ألحّت علي بالإجابة .. و هي تقول :

" لو كان لدي أخ أو أخت لكنت فعلت أي شيء من أجلهما مهما تعاركا معي أو حتى قتلاني ! "

تناولت السماعة من يدها و أنا أشعر بالخجل من هروبي هذا... قربتها من أذني و فمي و تحدّثت :

" نعم يا سامر؟؟ "

" كيف حالك؟ "

" بخير.."

و ساد صمت استمر عدة ثواني ...

قلت :

" أهناك شيء ؟؟ "

فأنا لا أتوقع أن يتصل ليسأل عني فقط ، خصوصا بعد شجارنا الأخير...

قال سامر :

" يجب أن تحضر إلى هنا يا وليد "

ذهلت من عبارته، قلت متوترا و قد انتابني القلق المفاجئ :

" خير؟ هل حصل شيء ؟؟ "

" نعم، و لابد من حضورك "

هوى قلبي على الأرض..من القلق ، قلت و أنا بالكاد أحرك شفتي ّ :

" رغد بخير ؟؟ أ أصابها مكروه ؟؟ "

سامر صمت ، ما جعلني أوشك على الموت... قلت :

" ما بها رغد أخبرني ؟؟ "

قال :

"على ما هي عليه، أريدك حضورك فورا "

التقطت بعض أنفاسي و قلت :

" لم سامر؟ أخبرني ماذا حصل ؟؟ "

" لن أخبرك على الهاتف ، تعال بأسرع وقت يا وليد.. الأمر غاية في الأهمية "




لم استطع بعد تلك المكالمة السكون برهة واحدة ، تحركت بعصبية كالمجنون .. و من فوري ذهبت لأبحث عن سيارة أجرة، إذ أنني لم أكن أملك واحدة كما تعلمون...

أرادت أروى مرافقتي ألا أنني عارضت ذلك، و خلال ساعة، كنت أشق طريقي نحو شقة سامر.. و قلبي شديد الانقباض.. لابد أن مكروها قد حل ّ بصغيرتي و إن كان كذلك، فلن أسامح نفسي على البقاء بعيدا بينما هي مريضة...

قطعت المسافة في زمن قياسي، و حين وصلت أخيرا إلى الشقة، قرعت الباب بشكل متواصل إلى أن فتحه أخي أخيرا...

من النظرة الأولى إلى وجهه أدركت أن الموضوع أخطر مما تصوّرت.. كانت عيناه حمراوان و جفونه وارمة ، و وجهه شديد الكآبة... و السواد أيضا...
منظره أوقع قلبي تحت قدمي ّ في الحال...

و قبل أي كلمة أخرى هتفت مفزوعا :

" أين رغد ؟؟ "

و ركضت إلى الداخل مسرعا و أنا أنادي :

" رغد ... رغد ... "

و حين بلغت غرفتها طرقت الباب بقوة... و أنا أهتف بفزع...

" رغد... أأنت هنا ؟ "

فتح الباب و ظهرت رغد .. و ما أن وقعت أعيننا على بعضها البعض حتى كدت أخر صريعا..

" رغد ! "

" وليد ... "

" أنت ِ بخير صغيرتي ؟؟ أنت بخير ؟؟ "


انفجرت رغد باكية بقوة ، التفت إلى الوراء فإذا بسامر يقف خلفي ، هتفت :

" ماذا حصل ؟ "

رغد ازداد بكاؤها ..

قلت منفعلا :

" أخبراني ماذا حدث ؟؟ "

و نظرت إلى سامر في انتظار ما سيقول ...
سامر حرّك شفتاه و قال أخيرا :

" أصيب والدانا في الغارة على الحدود"

صعقت ، شهقت :

" ماذا ؟؟ "

طأطأ سامر رأسه للأسفل ، فقلت بسرعة :

" سامر ؟؟ "

لم يرفع عينيه في البداية، ألا أنه حين رفعهما كانتا غارقتين في الدموع، و قال أخيرا :

" قتلوهما.."






شهر كامل قد مضى، و أنا مقيم مع أخي و رغد في هذه الشقة... نسبح في بحر الدموع و الألم...

لا يقوى أحدنا حتى على النهوض من المقعد الذي يجلس عليه... أسوأ اللحظات.. كانت تلك اللحظات التي رأيت فيه رغد تلطم وجهها و تصرخ و تنوح و تصيح...

" لماذا كتب علي أن أيتّم مرتين؟؟ من بقي لي بعدهما؟؟ أريد أن ألحق بهما.. أمي .. أبي .. أنا مدللتكما العزيزة.. كيف تفعلان هذا بي ؟؟ كيف تتركاني يتيمة من جديد؟ و أنا في أمس الحاجة إليكما.. ليتني متّ منذ صغري..ليتني احترقت مع المنزل و لم أعش هذا اليوم... وا حسرتاه"

كانت تجول في الشقة و تصرخ و تنادي كالمجنونة.. و تصفع رأسها بأي شيء تصادفه في طريقها..

و كنت أمشي خلفها، محاولا تهدئتها و مواساتها ، بينما أنا الأكثر حاجة للمواساة..

أبعد حرماني منهما لثمان سنين.. ثمان سنين كان من الممكن أن أقضيها تحت رعايتهما و حبهما.. اللذين مهما كبرت سأبقى بحاجة إليهما، أفقدهما بهذا الشكل؟؟

حينما أتذكر يوم وداعهما...

آه يا أمي.. و يا أبي..

لو كنت أعرف أنه اللقاء الأخير.. ما كنت تركتكما تخرجان...

أتذكر وصايا أمي... (اعتني بشقيقتيك جيدا لحين عودتنا).. أماه.. هاأنا قد اعتنيت بهما و إن قصّرت.. فأين عودتك ؟؟

لو كنت أعلم أنه آخر العهد لي بكما... ما فارقتكما لحظة واحدة حتى أموت دونكما أو معكما..

لكنه قضاء الله..و مشيئة الله..

يا رب.. فكما جاءاك ملبيين طائفين حول بيتك المشرّف، يا رب فأكرمهما بنعيم الجنة التي وعدت بها عبادك المؤمنين...

و لا حول و لا قوّة إلا بالله...

شهر كامل قد انقضى و لم تتحسن أحوالنا النفسية شيئا يذكر..
و هل يمكن أن يندمل جرح كهذا؟؟
لقد كانا في حافلة مع مجموعة من الحجيج عائدين إلى البلد، بعدما نفذ صبر الجميع و دفعهم الحنين لأهلهم للإقدام على السفر برا...و كانت مجازفة أودت بحياتهم جميعا ...
نحن.. و يا من كنا غارقين في بحر الحزن و المآسي.. و يا من تشردنا..و تشتتنا..و تفرّقنا و انتكست أحوالنا و تنافرت قلوبنا..و كنا ننتظر عودة والدينا لعل ّ الله يصلح الحال.. يأتينا نبأ مصرعهما المفاجئ المفجع.. و ينسف ما بقي لنا من قوة أيما نسف...

السلطات اتصلت بأخي سامر و أبلغته الخبر المفجع، ليذهب لاستلام الجثتين من إحدى المستشفيات، التي نقل إليها جميع راكبي الحافلة، و الذين قتلوا جميعا دون استثناء..

كنت أريد الذهب..فقط لألقي نظرة..فقط لأقبّل أي شيء منهما..رأسيهما..جبنيهما.. أيديهما..إقدامهما..أو حتى ملابسهما..أي شيء منهما و لهما..لكني بقيت رغما عني ملازما رغد في المستشفى.. متوقعا أن أفقدها هي الأخرى..بين لحظة و أخرى..

كانت أفظع أيام حياتي..

كانت نائمة معظم الوقت، و كلنا أفاقت سألتني :

" أين أبي؟؟ أين أمي ؟؟ ألا أزال حية ؟؟ متى سأموت؟؟"

و لا أجد شيئا أواسيها به غير آهات تنطلق من صدري ، و شلالات تتدفق من عيني.. ونيران تحرق جسدي و ترديني فتاتا.. رمادا..غبارا..

عندما عاد أخي..كنت أنظر إلى عينيه بتمعن..أحدق بهما بجنون..علّ صورة والدي قد انطبعتا عليهما.. علّني أرى طيف ما رأتاه..

أخذت أضمه، و أشمه و أقبّله.. فقد كان معهما..و ربما علق به شيء منهما..أي شيء... أي شيء...

و حين سألن عن رغد.. قلت باكيا :

" ستموت! إنني أراها تموت بين يدي.. ماذا أستطيع أن أفعل؟ ليتني متّ قبل هذا "

و حين تحدث معها ، سألته بلهفة :

" أين هما؟؟ هل عادا معك؟؟ هل عادا للمنزل؟ أعدني إليهما..فأنا أريد أن يشهدا عرسي..ليس مثل دانة !"


أي عرس يا رغد..أي فرح..أي لقاء تتحدثين عنه ؟؟

لقد انتهى كل شيء.. و الحبيبان اللذان كانا يدللانك و يحيطاننا جميعا بالحب و الرعاية.. ذهبا في رعاية من لا يحمد على مكروه قضى به سواه...

اللهم لا اعتراض على قضائك...

و إنا لله .. و إنا إليه راجعون....

اليوم، و كما قررت أخيرا، سأذهب إلى المزرعة.. فلا بد لي من مواصلة العمل، و الدراسة في ذلك المعهد.. و العودة إلى أهلي بعدما حصل.. أصبحت ضربا من المحال..

فمن يريد العودة إلى جحيم الذكريات... ؟؟

سامر..كان قد أهداني سيارة قبل أيام، جاءت منقذة لي في وقت الحاجة الحقيقية.. شكرته كثيرا.. و أذكر أنه يومها ابتسم ابتسامة واهية و قال :

" و لم كل هذا الشكر ! إنها مجرّد سيارة.. بلا روح و لا مشاعر !"

استغربت من ردّه، ألا أنه غير الحديث مباشرة...

زرت المزرعة مرتين اثنتين فقط مذ قدمت إلى هنا.. فقد كان بقائي قرب رغد هو مركز اهتمامي و بؤرته... أما أحوال العائلة هناك كانت مستقرة..

أجمع أشيائي في حقيبة أضعها على السرير، باب الغرفة مفتوح، يطل منه أخي سامر... و يتحدّث ...

" أحقا سترحل وليد؟؟ "

استدير إليه و أقول :

" كما ترى "

مشيرا إلى الحقيبة.. و أضيف :

" سأعود إلى عملي، و دراستي"

يظل واقفا عند الباب ، ثم يخطو خطوتين إلى الداخل و يقول بصوت خافت :

" أنا أيضا سأعود إلى عملي... انتهت إجازتي الممددّة "

التفت إليه و أنا أدرك ما يعني، بل هو أكثر ما يشغل تفكيري على الإطلاق، لكنني أقول :

" و إذا ؟؟ "

يقول :

" رغد... "

نعم ، لا زلنا و منذ زمن..نقف عند هذه النقطة.. رغد...

قال :

" لا يمكن تركها وحيدة..، خذها معك "

و فاجأني هذا الطلب، فهو آخر ما كنت أتوقع أن يطلبه أخي مني...

لقد كنت أنا من سيطرح الفكرة، و خشيت أن أعقد الأمور أكثر في وقت نحن فيه في غنى تام عن أي تشويش يزيدنا ألما فوق ألم...

قلت :

" معي أنا ؟؟ "

" نعم يا وليد.. فهناك حيث تقيم، لديك عائلة يمكن لرغد أن تظل تحت رعايتهم أثناء غيابك.. لكن هنا في هذه الشقة..."

لم يتم كلامه..

لقد كان هذا الموضوع هو شغلي الشاغل منذ قررت العودة للمزرعة، ألا أنني لم
أكن أعرف الطريق لفتحه أمام سامر، خطيب رغد...

قلت :

" ما كنتَ فاعلا لو أنكما تزوجتما إذن؟ "

قال :

" ربما ..أتركها في بيتنا مع والدي ّ "

و الكلمة قرصت قلبينا... و عصرت شعورنا...

تابع :

" ألا أنه .. لا والدين لنا.. و لا بيت.."

" يكفي أرجوك.."

قلت ذلك محاولا إبعاد غيمة الهم عني، فقد اكتفيت من كل ذلك.. اكتفيت من الهموم التي حملتها على صدري مذ ارتكبت جريمتي و حتى هذا اليوم...

بددت أشباح الذكرى المؤلمة بعيدا عن رأسي.. و قلت :

" أتظنها ترحب بذلك ؟؟ "

ابتسم ابتسامة مائلة للسخرية و قال :

" جرّب سؤالها بنفسك..."

و رمقني بنظرة حادة، ثم غادر الغرفة...

بعدما انتهيت من جمع أشيائي، ذهب إلى غرفة رغد...

طوال الأيام الماضية لم تكن تغادرها .. حتى القليل من الطعام الذي كانت تعيش عليه، تتناوله على سريرها.. حالتها كانت سيئة جدا ولازمت المستشفى وقتا طويلا، و كنا نتناوب أنا و سامر على رعايتها...ألا أنها تحسّنت في الآونة الأخيرة.. و أحضرناها إلى هنا.. و الحمد لله

فلو أصابها شيء..هي الأخرى، فسوف أموت فورا لا محالة...لن يقوى قلبي على تحمّل صدمة أخرى.. و خصوصا للحبيبة رغد..لا قدّر الله ..

طرقت الباب و ذكرت اسمي، ثوان، ثم أذنت لي بالدخول...

دخلت، فرأيتها جالسة على السرير، كالعادة، ألا أنها ترسم شيئا ما في كراستها...

اقتربت لألقي نظرة على ما ترسم، كانت صورتين وهميتين لوالدي ّ رحمهما الله.. مرسومتين بالقلم الرصاصي، و بمعالم غامضة مبهمة...

" كيف أنت صغيرتي؟ "

لم ترفع عينيها عن الرسمة، قالت :

" كما أنا "

و هو جواب يقتلني...إن كنتم لا تعلمون...

قلت :

" أنت بخير، الحمد لله .."

قالت :

" نعم ، بخير.. يتيمة مرتين، وحيدة و بلا أهل.. و لا من يتولى رعايتي .. عالة على ابن عمّي ... "

مزقتني كلماتها هذه، قلت :

" عالة على خطيبك !؟ "

قالت مصححة :

" ابن عمّي.. فأنا لن أتزوّجه.. ما لم يحضر والداي و يباركا زواجنا.."

كادت الدمعة تقفز من عيني... اقتربت منها أكثر.. و قلت محاولا المواساة :

" حتى لو لم تتزوجيه، يبقى ابن عمّك و مسؤولا عنك.. فلا تأتي بذكر كلمة عالة هذه مرة أخرى "

الآن، قامت بالخربشة على الصورتين بخطوط عشوائية حادة، ثم .. نزعت الورقة من الكراسة، ثم مزّقتها..

أخيرا نظرت إلي :

" لم لا ترسلاني إلى دار لرعاية الأيتام ؟ "

" رغد بالله عليك.. لم تقولين ذلك ؟؟ "

" نعم فهو المكان الأنسب لي، سامر يريد العودة للعمل و أنا أعيقه "

قلت بألم :

" و أنا ؟ "

رمقتني بنظرة مبهمة ، ثم قالت :

" و أنت ستعود إلى عملك، و فتاتك..، و دانة تزوجت و استقرت مع زوجها في الخارج..، بلا بيت و لا والدين .. و لا أهل.. إما أن ترسلاني لبيت خالتي، أو لدار الأيتام "

اغتظت، و قلت بعصبية :

" كفّي عن ذلك يا رغد، بالله عليك... أتظنين أنني سأتخلى عنك بهذه السهولة ! "

رغد حدقت بي، متشككة مرتابة...

قلت :

" أبدا يا رغد ! لا تظني .. أنه بوفاة والدي رحمه الله.. لم يعد لك ولي مسؤول.. إنك من الآن فصاعدا، لا .. بل من يوم وفاته فصاعدا بل و من يوم وفاة والديك الحقيقيين فصاعدا.. تحت مسؤوليتي أنا.."

لا تزال تحملق بي بريبة..

قلت :

" و من هذه اللحظة، اعتبريني أمك و أباك و أخاك و كل شيء.. "

شيء من التصديق ظهر على وجهها.. أرادت التحدث ألا أنها منعت نفسها .. قلت مؤكدا :

" نعم صغيرتي، و لتكوني واثقة مائة بالمائة.. من أنك ستبقين ملازمة لي كعيني هاتين.. و لسوف أفقأهما قبل أن أبعدك عني مترا واحدا ! "


الآن رغد راحت تنظر إلى المسافة التي تفصل بيننا، بضع خطوات تتجاوز المتر.. ثم تنظر إلي...

نظرت أنا إلى حيث نظرت، ثم خطوت خطوتين للأمام، و قلت :

" متر ! أليس كذلك ؟؟ "

هنا .. انطلقت ضحكة غير متوقعة من حنجرة رغد.. ضحكة صغيرة كصغر حجمها و حجم حنجرتها.. و قصيرة كقصر المسافة التي بيننا هذه اللحظة... و مبهجة كبهجة العيد !

لم أستطع منع نفسي من الابتسام.. و هل هناك أجمل من ابتسامة أو ضحكة عفوية تشق طريقها بين الدموع و الهموم؟؟

لما رأيت منها هذا التجاوب، فرحت كثيرا.. فضحكة رغد ليست بالأمر السهل..إنها أعجوبة حصلت في زمن المرض و المآسي...

قلت :

" بما أن سامر سيبدأ العمل و سينشغل ثمان ساعات من النهار خارج الشقة، و أنا لابد لي من العودة لعملي، فأنا سآخذك معي.. فهل تقبلين ؟؟ "

قالت :

" و سامر؟ يبقى وحيدا ؟ "

قلت :

" سنأتي أسبوعيا لزيارته أو يأتينا هو.. ربما تتغير ظروفنا فيما بعد.. و نستقر جميعا في مكان واحد.. ما رأيك ؟ "

نظرت إلى الأرض، ثم قالت :

" حسنا "

أثلج صدري، ارتخت عضلاتي و ارتاح قلبي من توتره.. قلت :

" إذن اجمعي أشياءك الآن، سنذهب عصرا "

وقفت رغد مباشرة، و بدأت بجمع قصاصات الورقة التي مزقتها قبل قليل..

أخذت تنظر إليها، و شردت...

قلت مداعبا :

" اطمئني يا رغد.. سترين..أي نوع من الآباء و الأمهات سأكون ! "

ابتسمت رغد، و ألقت القصاصات في سلة المهملات...




 




عرض البوم صور بوسي رد مع اقتباس

قديم 06-24-10, 06:10 PM رقم المشاركة : 47
الملف الشخصي
إحصائية العضو






بوسي est déconnecté

علم الدولة female_egypt

افتراضي رد: رواية انت لى كاملة

لم يكن لدي الكثير من الأشياء، لذا لم احتج أكثر من حقيبة صغيرة جمعت حاجياتي فيها، و وضعتها قرب الباب..

وليد ذهب إلى الحلاق، و حينما يعود .. سنغادر..

سوف لن أتحدث عن فاجعة موت والدي ّ لأنني لا أريد لدموعي و دموعكم أن تنهمر.. فقد اكتفيت..تشبّعت للحد الذي لم تعد فيه الدموع تحمل أي معنى...

لقد كنت أنا من أصرّ عليهما بالحضور بأية وسيلة.. فقد كنت في حالة سيئة كما تعلمون.. و ربما هذا ما دفعهما لسلك الطريق البري الخطر..

أنا الآن فتاة يتيمة مرتين.. بلا ولي و لا أهل، غير خطيب لن أتزوجه يوما.. و ابن عم لن يتزوجني يوما.. لكنه لن يتخلى عني..

أجهل طبيعة الحياة التي سأعيشها من الآن فصاعدا.. ألا أنني لا أملك من الأمر شيئا

و إذا ما كتب لي العودة إلى المدينة الصناعية ذات يوم، فلسوف استقر في بيت خالتي..

حتى يومنا هذا، و الحظر الشديد مستمر على المدينة الصناعية و مجموعة من المدن التي تعرضت أو لا تزال تتعرض للقصف و التدمير من قبل العدو...

أما هذه المدنية، و كذلك المدينة الزراعية، فهما بعيدتان عن دائرة الحرب...

ارتديت عباءتي، مستعدة للخروج .. و لمحت سامر يقبل نحوي..

وقفت أنظر إليه و هو ينظر إلي.. و كانت النظرات أبلغ من الكلمات..

قال :

" سأفتقدك"

قلت :

" و أنا كذلك.. سنأتي لزيارتك كل أسبوع"

ابتسم ابتسامة واهنة و من ثم قال :

" هل ستكونين على ما يرام هناك ؟؟"

لم أرد.. فأنا لا أعلم ما الذي ينتظرني..

" أينما كنت يا رغد..أتمنى لك السعادة و الراحة "

نظرت إليه نظرة امتنان..

أمسك يدي بحنان و قال :

" سأكون هنا.. متى ما احتجتني.. دائما في انتظارك و رهن إشارتك.."

لم أملك إلا أن طوّقته بيدي الأخرى.. و قلت :

" يا عزيزي..."

و تعانقنا عناقا هادئا صامتا.. طويلا..


بعد مدّة ، عاد وليد..

ودّعنا سامر.. و ركبنا السيارة، وليد في المقدمة و أنا خلفه.. وانطلقنا...

لكي يقطع الوقت و يقتل الملل، أدار المذياع.. فأخذت أصغي إلى كل شيء و أي شيء.. كما كنت أراقب الطريق... و رغم الصمت الذي كان رفيق لسانينا، ألا أنني شعرت به يكلّمني...

أكاد أسمع صوته، و أحس بأنفاسه.. و الحرارة المنبعثة من جسده الضخم... كان هو مركزا على الطريق.. بينما أنا أغلب الأحيان مركزة عليه هو...

الآن، و بعد كل الأحداث التي مررت بها..أعترف بأنني لا أزال أحبه..



وصلنا إلى نقطة تفتيش..ما أن لمحتها حتى أصبت باللهع..فبعد الذي عشته تلك الفترة.. صرت أرتجف خوفا من مثل هذه الأمور...

الشرطي طلب من وليد البطاقة و رخصة القيادة..

ثم سأله عني..

" ابنة عمي "

" أين بطاقتها ؟ "

" إنها لا تحمل بطاقة خاصة، فهي صغيرة "

" إذن بطاقة والدها "

" والدها متوف، ووالدي الكافل كذلك، توفي مؤخرا..ألا أنها مضافة إلى بطاقة شقيقي، خطيبها حاليا "

قال الشرطي متشككا :

" هل هذا صحيح ؟؟ "

قال وليد :

" طبعا ! "

الشرطي التفت إلي أنا و قال :

" هل هذا ابن عمّك ؟ "

قلت بوجل :

" أجل "

" أهو خطيبك ؟ "

" لا ! شقيق خطيبي.."
" و أين خطيبك أو ولي أمرك ؟ "

" لم يأت ِ معنا، لكنه على علم بسفرنا "

" صحيح ؟ "



وليد قال بعصبية وضيق :

" و هل تظنني اختطفتها مثلا ؟ بربّك إنها مثل ابنتي "

ابتعد الشرطي مترددا ثم سمح لنا بالعبور...

أنا كنت أنظر إلى وليد عبر المرآة.. مندهشة و مستنكرة جملته الأخيرة !

ابنته !؟ أنا مثل ابنته ؟؟

فارق السن بيننا لا يبلغ التسع سنين !

وليد أبي !

بابا وليد !

و شعرت برغبة مفاجئة في الضحك !

ألا أن هذه الرغبة تحوّلت إلى حرج شديد جدا..عندما أصدرت معدتي نداء الجوع !

مباشرة نظر وليد عبر المرآة فالتقت أنظارنا.. و أبعدت عيني بسرعة في خجل شديد...

تكلم وليد قائلا :

" لم تأكلي شيئا منذ الصباح..أليس كذلك؟ "

تحرجت من الرد عليه..و علتني حرة الخجل.. لم أكن في الآونة الأخيرة أتناول أكثر من وجبة واحدة في اليوم.. و كنت أجبر نفسي على أكلها فقط لأبقى حية..

أتذكر الآن.. الطبخات اللذيذة التي كانت أمي، و دانة تعدّانها..
آه أماه..
إنني مشتاقة لأي شيء من يديك.. حتى و لو كان السمك المشوي الذي تعدّينه، و اهرب أنا من المائدة كرها له...
كنت سأدخل متاهة الذكرى المؤلمة، ألا أن صوت وليد أغلق أبواب المتاهة حين سمعته يقول :

" سآخذك إلى مطعم جيد في المدينة الزراعية.. سيعجبك طعامه "

المشوار كان طويلا.. و الهدوء جعل النعاس يطغى علي.. فمنت لبعض الوقت..

صحوت من النوم على صوت وليد يهمس باسمي...

" رغد.. رغد صغيرتي.."

فتحت عيني.. فوجدته ملتفتا إلى الوراء يناديني.. و تلفت من حولي فرأيت السيارة واقفة ..

قال وليد:

" وصلنا "

قلت :

" المزرعة ؟ "

و أنا أطالع ما حولي.. باستغراب..

قال :

" المطعم "

قلت :

" ماذا ؟ "

" المطعم صغيرتي.. نتناول عشاءنا ثم نذهب إلى المزرعة "

و تذكرت أنني كنت جائعة ! كانت الوقت لا يزال باكرا..

وليد فتح بابه و خرج من السيارة، ثم فتح الباب لي..

هبطت و صافحتني أنسام الهواء الباردة.. فضممت ذراعي ّ إلى بعضهما البعض..

" أتشعرين بالبرد؟ "

" قليلا"

" المكان دافئ في الداخل.. هيا بنا "

سرنا جنبا إلى جنب، أنا بقامتي الصغيرة و رأسي المنحني للأسفل، و هو بجسده العملاق.. و رأسه العالي فوق هامته الطويلة! ثنائي عجيب متناقض ! دخلنا المطعم .. كان تصميم مدخله جميل.. و الكبائن متباعدة و متقنة الهندسة..

اختار وليد كبينة بعيدة، و جلسنا متقابلين، لكن ليس وجها لوجه!

شغلنا نفسينا بتقليب صفحات الكتيب الصغير، الحاوي لقوائم الأطعمة و المشروبات...

قال وليد :

" ماذا تودين ؟ "

في هذه اللحظة ، و أنا في توتري الشديد هذا، و الإحساس بقرب وليد يشويني.. قلت :

" دورة المياه "

" عفوا ! ؟ "

تركت الكتيب من يدي، قام وليد و قال :

" تفضلي.."

كانت دورة المياه النسائية في الطرف الآخر..على مقربة من الباب توقّف وليد..و تركني أمشي وحدي..

التفت إليه.. قال :

" سأنتظر هنا "

لم أشعر بالطمأنينة.. تراجعت .. قلت:

" لنعد "

قال :

" هيا رغد ! سأبقى واقفا في مكاني.. "

" لا.."

وليد نظر إلى ما حولنا ثم قال :

" حسنا، سأقترب أكثر"

و مشى معي حتى بلغنا الباب...

نظرت إليه بشيء من التردد، ألا أنه قال :

" لا تتأخري رجاء ً "

و أنا أفتح الباب قلت :

" إياك أن تبتعد ! "

قال مطمئنا :

" لا تقلقي.. "

و عندما خرجت وجدته واقفا بالضبط عند نفس النقطة !

عدنا إلى تلك الكابينة و طلب لي وليد وجبة كبيرة، مليئة بالبطاطا المقلية !

لا أعرف أي شهية تلك التي تفجرت في جوفي، و التهمتها تقريبا كاملة..!

و لو كان طلب طبقا آخر بعد ، لربما التهمته أيضا عن آخره.. يكفي أن يكون وليد قريبا مني، حتى أشعر برغبة في التهام الدنيا كلها...

بعد العشاء.. قام وليد بجولة في المنطقة، بين المزارع.. و أراني بعض معالم المدينة، و كذلك المعهد الذي يدرس فيه، و السوق الذي تباع فيه الخضراوات...

منذ زمن.. و أنا حبيسة الشقة و المستشفى، لا أرى الشمس و لا أتنفس الهواء النقي.. لذلك فإن الجولة السريعة هذه روحت عن نفسي كثيرا...

كان كلما تحدّث عن أو أشار إلى شيء، أصغيت له باهتمام.. ودققت بتمعن، و كأنه درس علي حفظه قبل الامتحان!

قبيل وصولنا إلى المزرعة، سألني :

" أتودين بعض البوضا..؟"

و كان ينظر إلي عبر المرآة ...

قلت منفعلة مباشرة :

" ماذا !؟ البوضا مجددا ! كلا أرجوك ! أنا يتيمة بلا مأوى الآن !؟؟ "

و ليد، حدق بي برهة ، ثم انفجر ضاحكا !

أنا كذلك، لم أقو على كبت الضحكة في صدري، فأطلقتها بعفوية...

نعم ! فلن تغريني البوضا مرة أخرى و لن أنخدع بها!


عندما وصلنا إلى المزرعة كانت الساعة تقريبا التاسعة مساءا...

مباشرة توجهنا إلى المنزل، و قرع وليد الجرس، ففتح العجوز الباب...

تهلل وجهه لدى رؤية وليد و صافحه و عانقه، ثم رحب بي ترحيبا كريما...

قال وليد :

" ابنة عمي .. تحت وصايتي الآن.. و إن لم يكن في ذلك أي إزعاج.. فهي ستبقى معي هنا حتى نجد حلا آخر.."

شعرت أنا بالحرج، ألا أن ترحيب العجوز خفف علي ذلك، قال :

" عظم الله أجرك يا بنيتي، على الرحب و السعة، و إن لم تتسع المزرعة لكما نحملكما على رؤوسنا.."

ابتسمت للعجوز و شكرته..

قال العجوز مخاطبا وليد، الذي كان يجول ببصره فيما حوله :

" في المطبخ.. تفضلا "

لم يتغيّر في ذلك المنزل أي شيء... سرت تابعة لوليد الذي تقدّم نحو إحدى الغرف، و التي يبدو أنها المطبخ... و العجوز خلفنا

هناك.. وجدنا أروى و أمها تجلسان على الأرض حول سفرة العشاء... و بادرتا بالنهوض بمجرد رؤيتنا...

و حانت اللحظة التي كنت أخشى حينها... ما أن وقع نظري على أروى... حتى شعرت بشيء ما يتفجر في صدري... شيء حارق موجع..

كانت تجلس ببساطة على الأرض، مرتدية بنطالا ضيقا و بلوزة قصيرة الكمين واسعة الجيب، و شعرها الذهبي الأملس الطويل مربوط بخصلة منه، و ينساب على كتفيها و ظهرها كذيل الفرس !

رحبت الاثنتان بنا ، ثم توجهت أروى نحو المغسل، و غسلت يدها و نشفتها ، ثم أقبلت نحو وليد و مدّت يدها لتصافحه !

وليد ببساطة مدّ يده و صافحها !

" حمدا لله على سلامتكما ! كيف حالكما ؟ "

قالت ذلك و هي تشد على يد وليد، و وليد يبتسم و يطمئنها، و أنا أسلط أنظاري على يديهما ، ثم عينيهما ، ثم أعود إلى يديهما، ثم أعض على شفتي السفلى بغيظ...

إلى متى ستظل هذه ممسكة بيد ابن عمّي؟؟ هيا ابتعدي !

" مرحبا بك يا رغد، عظم الله أجرك "

رفعت بصري عن يديهما و نظرت إليها ببغض، و مددت يدي لأصافحها.. أعني لأجبرها على ترك يد وليد...

" أجرنا و أجركم، غفر الله لنا و لكم "

قالت :

" كيف صحتك الآن ؟ "

" بخير و لله الحمد "

عادت تنظر إلى وليد ، و تخاطبه :

" هل كانت رحلتكما متعبة ؟ "

قال :

" لا ، كانت ممتعة "

نظرت إلى وليد فرأيته ينظر إلي و يبتسم...

قالت أروى :

" تفضلا.. شاركانا العشاء "

و كررت أمها الجملة ذاتها

قال وليد :

" بالهناء و العافية، تناولنا عشاءنا في أحد المطاعم.. أتموا أنتم طعامكم و نحن سنجلس في المجلس "

و على هذا ذهبنا إلى المجلس، وبقي الثلاثة حول السفرة.. و يبدو أن وليد صار يتحرك في المنزل بحرية كيفما يشاء...

جلس على أحد المقعدين الكبيرين المتقابلين الموجودين في المجلس، فجلست أنا إلى جواره.. و سكنا عن أي كلام أو حركة لبضع دقائق... ثم قال وليد :

" رغد"

نظرت إليه.. فرأيت ملامح الجدية و القلق على وجهه... قال :

" أنا آسف و لكنني في الوقت الحالي لا أستطيع توفير سكن آخر.. كما و أن الظروف لن تمكننا من العيش في شقة مستقلة، لأن عملي هنا و أقضي كل ساعات النهار هنا.. "

لم أعلّق ، فقال :

" هل هذا يروق لك ؟ "

قلت :

" أخشى أن يسبب وجودي الضيق لهم .."

قال :

" لا ، إنهم أناس طيبون جدا.. و كرماء لأقصى حد..، لن يزعجهم وجودك، أريد أن أعرف .. هل يزعجك أنت ذلك؟؟ "

قلت :

" سأبقى حيث ما تبقى أنت..، ألست المسؤول عني الآن؟ "

بدا الضيق جليا على وليد، مال بجدعه للأمام و قال :

" رغد يا صغيرتي.. الأمر ليس متروكا لظروفي بل هو حسب رغبتك أنت.. إذا رغبت بأي شيء آخر فأبلغيني و سأنفذه حتما "

قلت :

" حقا وليد ؟؟ "

قال :

" طبعا، بدون شك.. تعرفين أنني من أجلك أفعل أي شيء..."

شعرت بالصدق ينبع من عينيه.. و آه من عينيه ..

لو تعرف يا وليد.. أنا لا أريد من هذه الدنيا غيرك أنت.. لقد فقدت كل شيء.. والداي ماتا. .و تيتّمت مرتين.. و أختي رحلت.. و سامر تركته جريحا متألما.. و خالتي و عائلتها ظلوا بعيدين عني.. لم يبق لي إلا أنت..

أنت الدنيا في عيني..

أنا أريد أن أبقى معك، قريبة منك و تحت رعايتك و حبك ما حييت.. أينما كنت.. هنا أو في أي مكان في المجرّة.. فقط أبقني قربك.. و أشعرني باهتمامك و حبك..

" وليد .."

همست بصوت أجش... وليد أجابني مسرعا :

" نعم صغيرتي ؟ "

قلت :

" أنا.. أنا..."

و لم أتم، إذ أن أروى أقبلت الآن، تحمل أقداح الشاي...

" تفضلا.."

لم تكن لدي أدنى رغبة في احتساء الشاي ألا أنني فعلت من باب المجاملة..

أروى جلست على المقعد المجاور، قرب وليد...

تبادلا حديثا قصيرا، ثم قالت مخاطبة إياي :

" يمكنك استخدام غرفتي، و أنا سأنام مع أمي لحين ترتيب غرفة خاصة بك "

نظرت إلى وليد و قلت :

" و أنت ؟ "

قال :

" في غرفتي ذاتها "

هززت رأسي اعتراضا..

وليد قال :

" لا تخشي شيئا يا رغد.. المكان آمن هنا و موثوق كبيتنا تماما "

" لا ! لن أبقى وحدي هنا "

قال :

" يمكن لأروى البقاء معك في الغرفة.. "

قلت :

" إذن خذني لمكان آخر "

تبادل وليد و أروى النظرات، ثم نظر إلى المقعد الذي نجلس عليه، ثم قال :

" حسنا.. سأبات أنا على هذا.. داخل المنزل"

لم تعجبني الفكرة أيضا.. فنظرت إليه باعتراض و عدم اقتناع..

قال :

" هذه الليلة على الأقل.. ثم نجد حلا آخر"

فاستسلمت للأمر...

ذهبت أروى بعد ذلك لإعداد فراش لي في غرفتها... عندها قلت لوليد :

" وليد.. لا تبتعد عني أرجوك "

وليد نظر إلي بعطف و قال :

" لا تخشي شيئا صغيرتي.. أتظنين أنه، لو كان مكانا غير آمن، كنت تركتك تباتين فيه ؟ "

قلت :

" لكني أخاف.. أخاف كثيرا.. المكان غريب و الناس كذلك.. لا تبتعد عني "

كنت أقول ذلك و أنا متوترة.. و لما لحظ وليد حركة أصابعي المضطربة..

قال :

" اطمئني رغد.. و لسوف أبقي الباب مفتوحا "

ذهبنا أنا و وليد و أروى للتعرف على أرجاء المنزل و انتهينا إلى غرفة أروى..

غرفة بسيطة كسائر المنزل، لا تحوي شيئا مميزا ...

كان الفراش دافئا.. و جسدي متعبا ألا أن القلق لم يسمح لي بالنوم..

أروى نامت بسرعة.. أما أنا فتلاعبت بي الهواجس حتى بدأت أوصالي ترتعد خوفا..


ارتديت عباءتي.. و خرجت من الغرفة بحذر.. شققت طريقي بهدوء تام نحو المجلس.. كان الباب شبه مغلق، و وليد كان نائما على المقعد الكبير.. و بصيص خفيف من الضوء يتسلل إلى الغرفة عبر فتحة الباب.. و عبرها تسللت أنا أيضا إلى الداخل...و أوصدت الباب من بعدي !

لأنه طويل جدا، فإن قدميه الكبيرتين كانتا تبرزان من فوق ذراع المقعد.. أما ذراعاه فقد كانتا مرفوعتين فوق رأسه، إذ أن مساحة المقعد لا تكفي لضمهما على جانبيه !
مسكين وليد! لابد أن جسده غير مرتاح في نومته هذه البتة !

و مع ذلك كان يغط في نوم عميق... !

جلست أنا على المعقد الكبير الآخر... لبضع دقائق.. شاعرة بالأمان و الطمأنينة، و الدفء أيضا.. فقرب وليد يطيب لقلبي البقاء و لعضلاتي الاسترخاء و لعيني الإغماض..
استلقيت على المعقد.. و سمحت للنوم بالسيطرة علي.. بكل سهولة !




وضعت المنبه على المنضدة قرب المقعد، و نمت بعد أرق، لأنني كنت قلقا على رغد.. أفكر..هل ستتقبل الحياة هنا..؟ هل ستألف الأوضاع و ترضى بها؟ هل سيسرّها العيش في منزل متواضع، و حال متوسطة، و هي ابنة العز و الدلال و الغنى ..؟؟
إن علي ّ أن أجد أكثر من أجل تحسين وضعي المالي و العام..فرغد لم تعتد حياة الفقر و الحاجة... و لا تستحق حياة كهذه...


استيقظت بسرعة على رنين المنبه المزعج...

كنت قد ضبطته لإيقاظي وقت الفجر لأصلي...

حينما جلست، لمحت شيئا يتحرك على المقعد الكبير الآخر و الموازي للمقعد الذي نمت عليه ..! و ذلك الشيء جلس أيضا

دققت النظر فيه ..أظنه خيال رغد! أو ربما هوسي بها جعلني أتهيأ خيالها في كل مكان !؟ في اليقظة و المنام !

قلت متسائلا :

" رغد ؟"

ذلك الشيء تكلم مصدرا صوتا ناعسا ، يشبه صوت رغد !

" نعم "

قلت :

" رغد صغيرتي ! أهذه أنت ؟؟ "

" نعم، أريد أن أنام "

و استلقت على المقعد مجددا !

نهضت أنا عن مقعدي و وقفت أمدد أطرافي.. شاعرا بالإعياء ... إن هذا المقعد صغير و لا يتسع لجسد رجل مثلي !
تقدمت نحوها

" رغد ! ما الذي تفعلينه هنا ؟ "

قالت و هي شبه نائمة :

" كنت خائفة "

" مم ؟ "

" من الأشباح "

ماذا !؟ أهي نائمة أم تهذي ؟؟

" أي أشباح ؟؟ "

جلست رغد فجأة و نظرت من حولها يمينا و شمالا... و هي تقول :

" أشباح؟؟ أين ؟ أين ؟ "

و يبدو أنها استفاقت أخيرا .. ثم نظرت إلي .. ثم قالت :

" وليد .. "

قلت :

" نعم.. "

قالت :

" نحن في منزل أروى أليس كذلك ؟ "

" نعم صغيرتي، هل كنت تحلمين ؟ "

أخذت تفرك عينيها...

قلت :

" لم أنت هنا ؟ "

قالت :

" لم أشعر بالطمأنينة هناك.. "

" لم صغيرتي؟ "

قالت و هي تنظر إلي برجاء :

" أريد أن أبقى معك .. المكان غريب علي.."

" ستعتادينه.. لا تقلقي "

" لكن يا وليد... "

هنا طرق الباب و سمعت صوت العم يناديني...

" وليد .. انهض بني ..الصلاة "

و كاد يفتح الباب، ألا أنه كان موصدا ! إنها رغد !

صغيرتي المجنونة !


أجبت :

" نعم عمي أنا مستيقظ "

قال :

" هيا إذن "

قالت رغد :

" إلى أين ؟ "

" إلى المسجد "

قالت معترضة :

" و تتركني وحدي ؟؟ سآتي معك "

كنت أعرف أنها ستقول ذلك !

ذهبت إلى الباب مسرعا و فتحته فرأيت العم إلياس يسير نحو المخرج... و كنا قد اعتدنا الذهاب للصلاة في المسجد المجاور سيرا على الأقدام...

قلت :

" عمّي .. اذهب أنت سأصلي هنا "

تعجّب العم و قال :

" لم يا ولدي ؟ "

" أخبرك لا حقا.. تقبل الله منكم "

جعلت الباب شبه مغلق

و عدت إلى رغد التي بادرتني بالسؤال :

" الحمام قرب الغرفة أليس كذلك ؟ "

" بلى "

و همّت بالخروج قاصدة إياه ...

" انتظري رغد "

نظرت إلي باستغراب...

قلت :

" حتى يخرج العم ... "

و عدت أنظر من فتحة الباب حتى إذا ما غادر العم خارجا، فتحته و استدرت إلى رغد قائلا :

" تفضلي ... "

رغد سارت ببطء و هي تنظر إلى الأرض بخجل.. تنحيت أنا جانبا .. و لما صارت قربي .. رفعت رأسها إلي و قالت :

" أنا آسفة " ...

توترت، و لم يتجرأ لساني على النطق بشيء... فأخفيت نظري تحت الأرض.. منتظرا منها الخروج...

ألا أنها بقيت واقفة قربي هكذا لوهلة... و أنا شديد الحرج، ثم قالت :

" لكنك..أصبحت أبي الآن ! أليس كذلك ! "

رفعت نظري إليها بسرعة مندهشا، و ارتفع حاجباي تعجبا !

كانت تنظر إلي، و الآن.. ابتسامة مرسومة على شفتيها أستطيع أن أرى عذوبتها رغم الظلام...

قالت :

" بابا وليد ! "

و أسرعت خارجة من الغرفة ... تاركة إياي في ذهول و جنون !

إذا كانت ..هذه الفتاة.. اليتيمة المدللة.. الحبيبة الغالية.. ستعيش معي و تحت رعايتي أنا في بيت واحد.. فإنني و بدون أدنى شك.. سأفقد عقلي و أتحول خلال أيام، بل خلال ساعات.. إلى مجنون لم يخلق الله مثل جنونه جنونا...
و أنتم الشاهدون !




 




عرض البوم صور بوسي رد مع اقتباس

قديم 06-24-10, 06:14 PM رقم المشاركة : 48
الملف الشخصي
إحصائية العضو






بوسي est déconnecté

علم الدولة female_egypt

افتراضي رد: رواية انت لى كاملة

الحلقة الواحدة والثلاثون



*********




رغم أنني كنت نعسى في البداية، ألا أن النوم خاصمني ذلك الصباح..
وليد جلس في الصالة يقرأ القرآن، و جلست أنا على مقربة أنصت إليه..
إلى أن عاد الرجل العجوز بعد طلوع الشمس.. فختم وليد قراءته و راح يتحدّث معه..

كانا يتحدثان بشأن المزرعة و ما سيفعلانه هذا اليوم.. و كنت أستمع إليهما ببلاهة ! فأنا لا أفقه كثيرا مما يذكرون !

وليد التفت إلى الآن و قال :

" سوف أخرج للمزرعة الآن، أتأتين معي ؟؟ "

وقفت من فوري و تقدّمت ناحيته.. قال متما عبارته السابقة ببطء :

" أم تفضلين العودة للنوم ؟ "

" سآتي معك.."

و خرجت معه إلى المزرعة..

الهواء كان باردا و كنت أرتدي العباءة فوق ملابس النوم، لذا شعرت بالبرودة تخترق عظامي

قال وليد :

" سنبدأ بجولة تفقدية "

حذائي كان عالي الكعب و لا يصلح للسير على الرمال، لذلك طلب مني وليد ارتداء أحد الأحذية المطاطية الموجودة عند مدخل المنزل...

سرنا في اتجاه شروق الشمس.. و كم كان منظرا جميلا لم أر مثله منذ زمن...
الرياح كانت في مواجهتنا، تغزو أنفي رغما عني ، و تزيد من شعوري بالبرد..

أخذت أفرك يدي بتكرار.. أما وليد فكان يسير بثبات في وجه الريح ، و لا يبدو على جسمه أنه يتأثر بها !

كالجبل تماما !


قال لي:

" الجو بارد.. أتفضلين العودة للمنزل ؟ "

" ماذا عنك ؟ "

قال :

" سأبدأ حرث منطقة معينة هنا، سنقوم بزرع بذور حولية جديدة فيها.. "

و أشار إلى المنطقة المقصودة...

قلت :

" أنت تحرثها ؟؟ "

و يبدو أن سؤالي هذا ضايقه أو أحرجه.. نظر إلي برهة صامتا ثم قال و هو يحدّق في تلك المنطقة :

" نعم أنا يا رغد.. فهذا هو عملي هنا.. و من هذا العمل أعيش و أعيل نفسي.. و صغيرتي .."

ثم التفت إلي و قال :

" فهل يصيبك هذا بخيبة أمل أو .. اشمئزاز ؟ "

قلت بسرعة :

" لا ! لم أٌقصد ذلك.. "

" إذن ؟ "

" تعرف يا وليد.. فخلال التسع سنين الماضية كنت أعتقد أنك... "

و بترت جملتي.. فقد أحسست أن هذا يؤلمه.. و إذا تألم وليد قلبي فأنا أموت ..

قلت :

" لكن ، ألا يمكنك مواصلة الدراسة الآن ؟؟ "

قال :

" إنني أدرس الآن في معهد محلي، و إن تخرجت منه بشهادة معتبرة فستكون لدي فرص أفضل للعمل ، لكن إلى ذلك الوقت سأظل مزارعا "

لم يعجبني ذلك، فأنا لا أريد لوليد أن يغمر يديه في التراب ..، بل أن يعلو السحاب، لكني لم أشأ إحراجه، فقلت :

" أتمنى لك التوفيق "

ابتسم وليد ابتسامة رضا، و تابعنا الطريق...

بقيت أراقبه و هو يعمل، تارة شاعره بإعجاب به ، و تارة شاعرة بشفقة عليه ، و تارة بغضب من الأقدار التي أوصلت ابن عمّي إلى هذا المستوى..

ليتني أستطيع منحه ثمان سنين من عمري، تعويضا عما خسر.. بل ليتني أهديه عمري كله.. و كل ما أملك..

الحماس الذي تملكني أثناء مراقبة وليد ، و الحرارة التي تنبعث من جسده و هو يعمل بجهد، و من صدره و هو يتنفس بعمق، و من عينيه و هو ينظر إلي ، كل هذه تجمعت معا متحدة مع أشعة الشمس التي ترتفع في السماء، و أكسبتني دفئا و حيوية لا نظير لهما !...


بعد فترة ، أقبلت أروى..


و الآن، لست فقط أشعر بالدفء ، بل و بالاشتعال ، و الاحتراق أيضا ...


" صباح الخير رغد ! نهضت باكرة ! "

باكرة جدا ! كم تبدين حيوية و نشطة بعد نوم هانىء ! أنا لم أنم كما ينبغي ..

قلت :

" صباح الخير"

وليد كان موليا ظهره إلينا هذه اللحظة ، رفعت أروى صوتها ، و كذلك يدها و هتفت و هي تلوّح :

" صباح الخير يا وليد "

وليد استدار و نظر إليها و رد التحية...

هتفت :

" تعال ، فقد أعددنا الفطور "

قال :

" حسنا ، أمهليني دقيقتين اثنتين "

و أتم ما كان يقوم به ...

أروى التفت إلي و قالت :

" أعددت فطورا مميزا من أجلك ! آمل أن يعجبك طهو يدي ! الجميع يصفني بالطاهية الماهرة ، و وليد يعشق أطباقي ! "

وليد ماذا ؟

يعشق أطباقها ؟؟ يا للمغرورة !
قلت :

" وليد يعشق أطباق والدتي فهي لا تقارن بشيء ! "

أروى قالت :

" رحمها الله "

و تذكرت أنه لم يعد لدي والدة ! و لم يعد بإمكان وليد تذوّق تلك الطبخات اللذيذة التي يلتهمها عن آخرها...

ضاق صدري لهذه الذكرى.. و أحنيت رأسي إلى الأسفل بحزن..

أورى لاحظت ذلك فقالت :

" آسفة.. "

لم أتجاوب معها... ، قالت :

" كم كنت متشوقة للتعرف إليها فقد حدّثني وليد عنها كثيرا.. و كان ينتظر عودتها بفارغ الصبر .. "

رفعت نظري الآن إليها، ليس الحزن هو البادي على وجهي بل الغيظ !

لماذا تتحدّث عن وليد أمامي ؟؟ و لماذا يتحدّث إليها وليد عن أمي ؟ أو عن أي شيء آخر في الدنيا ؟؟ هذه الدخيلة لا تمت إلينا بصلة و لا أريد لمواضيعنا أن تذكر على مسمع منها ...

وليد كان يمشي مقبلا نحونا.. و حين وصل ، شبكت أروى ذراعها اليمنى بذراعه اليسرى و هي تبتسم بسرور ...

وقفت أنا أنظر إليهما بغيظ و تحذير ! ما لم تفرقا ذراعيكما عن بعض فسأقطعهما !

لم يفهما تحذيري، بل سارا جنبا إلى جنب على هذا الوضع.. سرت أنا إلى الجانب الأيمن من وليد... و سرنا و نحن ندوس على ظلالنا.. و التي يظهر فيها جليا تشابك ذراعيهما ..

حسنا ! من تظن هذه نفسها ؟ وليد ابن عمّي أنا و ولي أمري أنا!

و بدون تفكير، رفعت أنا ذراعي و أمسكت بذراع وليد اليمني بنفس الطريقة ، و بكل تحدي !

وليد نظر إلي بسرعة و بنفس السرعة أضاع أنظاره في الرمال التي نسير فوقها... و بدا وجهه محمرا ! لكنه لم يسحب ذراعه مني ..

تابعنا السير و أنا أراقب الظل أمامي... و لم أترك يده حتّى فعلت هي ذلك... !


صحيح أن الفطور كان شهيا ألا أنني أصبت بعسر هضم من مشاهدة العلاقة الحميمة بين وليد و أروى.. كانا يجلسان متقابلين، و تجلس أم أروى على رأس المائدة، و أنا إلى جانب وليد، أما العجوز فلم يكن معنا بطبيعة الحال...

لا أريد منهما أن يجلسا متقابلين، و لا متجاورين، و لا في نفس المنزل، و لا حتى نفس الكوكب..

فيما بعد، عاد وليد للعمل في المزرعة و أروى تشاركه ، و أنا أتفرّج عليهما بغضب.. و أحاول الإنصات جيدا لكل ما يقولان..

أراد وليد بعد ذلك الذهاب إلى مكان ما لإحضار بعض الأشياء، و سألني إن كنت أرغب في مرافقته، أجبت بسرعة :

" طبعا سأذهب معك ! هل ستتركني وحدي ؟؟"

أتذكرون سيارة الحوض الزرقاء التي ركبتها ذات يوم، للذهاب إلى المستوصف ؟
إنها هي.. نفس السيارة التي يحتاجها وليد في مشواره. فيما كنا نقترب منها أقبلت أروى مرتدية عباءتها و وشاحها الملون، قائلة :

" أوصلني للسوق سأشتري بعض الحاجيات "

و اقتربت من الباب و فتحته، فسار وليد نحو باب المقود.. و قبل أن ترفع أروى رجلها إلى العتبة، أسرعت أنا و ركبت السيارة لأجلس فاصلا بينهما! هذا ابن عمي أنا.. و أنا الأقرب إليه من كل بنات حواء ، و أبناء آدم أيضا ... أليس كذلك ؟؟


و من السوق اشتريت أنا أيضا بعض الأشياء، من ضمنها عدّة للرسم ، فالمزرعة و مناظرها البديعة أعجبتني كثيرا .. و لسوف أقضي صباح الغد في رسم مناظر خلابة منها ، عوضا عن مراقبة وليد و هو يعمل...


عندما عدنا ، وجدنا ترتيب أثاث الصالة قد تغيّر، لقد قام العجوز و أخته بنقل المقاعد من المجلس إلى الصالة، و نقل سرير وليد من الغرفة الخارجية إلى المجلس !

استغرب.. أي قوّة يملك هذا العجوز ليحرك هذه الأثقال !

ما شاء الله !

قالت أم أروى :

" ها قد أصبحت لديك غرفة داخلية يا وليد.. هل تحس بالاطمئنان على ابنة عمّك الآن ؟؟ "

وليد ابتسم، و وجهه متورد .. و شكر الاثنين .. ثم التفت إلي و قال :

كنت أقف إلى جواره .. رفعت رأسي و همست في أذنه :

" لكن ابق الباب مفتوحا "

وليد ابتسم، و قال :

" حاضر "

همست :

" و اطلب منهم إعادة أحد المقعدين الكبيرين للداخل، أو قم أنت بذلك "

وليد تعجّب و قال :

" لم ؟ "

قلت :

" احتياط ! ربما تظهر الأشباح ثانية "

ضحك وليد، و البقية أخذوا ينظرون إليه باستغراب !

قال :

" حاضر ! "

قلت هامسة :

" قبل الليل "

قال :

" حاضر سيدتي ! كما تأمرين .."

و حين يقول وليد قلبي ذلك.. فأنا أشعر بدغدغة ناعمة تسري في جسدي ابتداء من باطن قدمي ّ و حتى رموش عيني ّ !

و من أطراف تلك الرموش ألقيت بنظرة حادة على أروى و أنا أخاطبها في رأسي :

" أرأيت ِ ؟ ستعرفين من تكون رغد بالنسبة لوليد.. و لن أكون رغد ما لم أزيحك عن طريقي ! "



مضت الأيام هادئة و مستقرة ، و انشغالي بالعمل جعلني أتناسى وفاة والدي ّ و الحزن الذي خلّفه...

بصعوبة تمكنت من إقناع رغد بالبقاء في المزرعة أثناء غيابي كل يوم في فترة الدراسة.. و لأنها كانت فترة صباحية، و لخمسة أيام في الأسبوع، فإننا لم نعد نلتقي إلا عند الظهيرة...

و أثناء عملي في الحقل، تقوم هي بمراقبتي أو برسم بعض اللوحات.. بينما أروى تساعدني أو تساعد أمها في شؤون المنزل..

أنا كنت أقوم بعمل مضاعف و بأقصى ما أمكنني ، و لساعات أطول.. و رسمت بعض الخطط لتطوير المزرعة و الاستعانة ببعض العماّل الثابتين..

رغد بدأت تتأقلم مع العائلة و تشعر بالانتماء إليها بعد فترة من الزمن.. و صارت تساهم في بعض أعمال المنزل البسيطة، و التي لم أكن أنا أريد تحميلها عبئها، لولا أن الظروف قضت بذلك..

تعذّر علينا زيارة سامر نهاية الأسبوع الأول، ألا أننا زرناه في الأسبوع التالي، و في الواقع.. خرجت من تلك الزيارة متضايقا لما أثارته في قلبي من الذكرى الأليمة .. ذكرى والدي ّ..

سامر لم يبد أنه خرج من الأزمة بعد.. بل كان غارقا في الحزن.. و حتى زيارتنا له لم تحرز تقدما معه..

أما دانة ، فاتصلت بها مرات ثلاث خلال الأسبوعين، و أعطتني الانطباع بأنها امتصت الصدمة و في طور النقاهة.. عدا عن ذلك ، فهي سعيدة و مرتاحة مع زوجها و عائلته في تلك البلد..

أوضاع بلادنا لم تتحسن، بل بقيت بين كر و فر..مد و جزر.. أمدا طويلا..

الشيء الذي بدأ يقلقني هو الملاحظة التي أبدتها لي أروى إذ قالت :

" يبدو أن رغد تعاني اضطرابا نفسيا يا وليد.. إنها لا تنام بسهولة.. بل تبقى لما لا يقل عن الساعة تتقلب في الفراش، و أحيانا تجلس.. و تنهض.. و تذرع الغرفة جيئة و ذهابا في توتر.. و في أحيان أخرى، أسمعها تتحدّث أثناء النوم.. أو تصحو و تبكي و تنادي أمها ! أعتقد أن وفاة والدتها قد أثرت عليها كثيرا .. "

سألتها يومها :

" هل يتكرر ذلك كثيرا ؟؟ "

" تقريبا كل ليلة ! كما و أنها تصر على إبقاء مصباح النوم مضاء ً بينما أنزعج أنا من النوم مع وجود النور ! "

هذه الأمور لاحظتها أروى التي تشارك رغد في الغرفة، و التي يبدو أنها تعاني منها منذ فترة دون أن يلحظها أحد...

و هذه الأمور جعلتني أقلق بشأنها.. و أفكر في طريقة تجعلها تنام بطمأنينة و نوما هادئا.. و هداني الله إلى هذه الفكرة...

عندما كانت صغيرة ، رغد كانت تعشق سماع القصص.. و تطالبني بها كل ليلة حتى تنام بهدوء و قرّة عين..

و لأنها كبرت الآن، فلم يعد هناك مجال لتك القصص! و لكن.. لدينا كتاب هو أجل و أعظم من أي كتاب، و بذكر ما فيه تطمئن القلوب.. إنه القرآن.


في كل ليلة، قبيل نومهما أبقى مع رغد و أروى في غرفتهما و أتلو ما تيسر من آيات الذكر الحكيم .. و تظل رغد منصتة إلي، إلى أن يغلبها النعاس فتنام بهدوء و سكينة..

في إحدى الليالي، و بعدما نامت رغد، خرجنا أنا و أروى من الغرفة ..

لم نكن نشعر بالنعاس وقتها، فطلبت مني أروى القيام بجولة قصيرة معها في المزرعة ..

" لكن.. رغد تمانع خروجي و هي بالداخل، أو دخولي و هي بالخارج.. "

" لكنها نائمة الآن "

" نعم و لكن .. "

" هيا يا وليد ! إننا لم نتحدّث مع بعضنا منذ حضورها ! لم تفارقك ساعة واحدة إلا للنوم ! "

استأت من كلام أروى و قلت :

" أرجو ألا يكون وجودها قد أزعجك بشيء ؟ "

" لا لا ، لا تسىء فهمي، أقصد أنني أريد التحدث معك حديثا خاصا بنا أنا و أنت ! كأي خطيبين.. "
و أمسكت بيدي و حثّتني على السير معها إلى الخارج...

حديثنا كان في بعض شؤوننا الخاصة.. و كانت أروى تتكلم بسرور .. بل كانت في قمّة السعادة.. و أخذنا الحديث لساعة من الزمن..

فجأة ، سمعت صوت رغد يناديني ...

" وليــــــــــد "

سحبت يدي من يد أروى و ركضت مسرعا نحو المنزل ...

رغد كانت تقف في الساحة الأمامية تتلفت يمنة و يسرة..

" أنا هنا رغد "

و لوّحت بيدي، و أنا راكض باتجاهها...

لما رأتني رغد... وضعت يدها على صدرها و تنهدّت بقوة...

و حين صرت أمامها مباشرة، أمكنني رؤية علامات الفزع على وجهها و الذعر المنطلق من عينيها...

" صغيرتي ماذا حصل ؟؟ "

" إلى أين ذهبت ؟؟ "

" هنا في المزرعة، أتمشى قليلا "

و ظهرت الآن أروى فألقت عليها رغد نظرة .. ثم نظرت إلي .. و بدأت تعبيرات وجهها تتغير حتى صارت إلى الحزن و البكاء ..

" صغيرتي ما بك ؟ "

قالت رغد فجأة :

" إذن هذا ما تفعله ؟ تتركني أنام وحدي و تخرج للتنزه مع خطيبتك ؟؟ "

فوجئت بقولها ، أردت أن أوضّح لها أنها المرة الأولى التي نخرج فيها .. لم تعطني المجال، بل قال و هي مجهشة بكاء:

" إذا لم تكن متفرغا لرعايتي فارسلني إلى خالتي.. إذا كنت ُ عبئا يعوق دون تنزّهك مع خطيبتك فخذني لبيت خالتي و تخلّص منّي "

و انفجرت بكاء ً...

لم استوعب كلامها أول الأمر..

قلت مذهولا :

" رغد ! ما الذي تقولينه !؟ "

قالت :

" كنت أعرف أنها نهايتي.. ضعت ُ بعد والدي ّ .. لماذا ذهبا و تركاني؟ لمن تركتماني يا أمي و يا أبي ؟ يا لهواني على الناس أجمعين .. خذني يا رب إليهما.. خذني يا رب إليهما "

لم أتحمّل سماعها تدعو على نفسها هكذا .. صرخت :

" كفى يا رغد أرجوك.. ماذا حصل لكل هذا ؟؟ "

" و تسأل ؟؟ "

" فقط لأنني خرجت من المنزل و أنت بداخله ؟ "

قالت أروى :

" أنا من طلب منه ذلك، لم أكن أتوقع أن يضايقك الأمر لهذا الحد "

رغد نظرت إلى أروى نظرة غضب و صرخت :

" اسكتي أنت ِ "

قالت أروى :

" أنا آسفة "

لكن رغد عادت تصرخ :

" قلت اسكتي أنت.. ألا تسمعين ؟؟ "

أروى شعرت بالحرج، فغادرت الساحة عائدة إلى المنزل...

لم يكن تصرفا لائقا.. و أعرف أنه ليس بالوقت المناسب لأعاتب رغد عليه.. لكنني قلت :

" إنها قلقة بشأنك "

و يبدو أنها لم تكن الجملة المناسبة, لأن وجه رغد ازداد غضبا ، و قالت بحدّة :

" هل تخشى على مشاعرها لهذا الحد ؟ إذن هيا اذهب و طيّب خاطرها .. و دعني أنا أناجي الميتين، فلربما سمعاني و أحسا بهواني و ضياعي بعدهما ، و خرجا من قبريهما و أتيا إلي.. و أخذاني معهما .. و أرحتك مني "

و مرّة أخرى تدعو على نفسها بالموت أمامي .. قلت بحدّة :

" كفى يا رغد كفى.. "

رغد صرخت :

" لا تصرخ بوجهي "

" أنت تثيرين جنوني.. كيف تدعين على نفسك و أمامي ؟؟ "

و عوضا عن التراجع ، رفعت بصرها و يديها إلى السماء و راحت تهتف بصوت عال :

" يا رب خذني إليهما.. يا رب خذني إليهما .. يا رب خذني إليهما "

ثم جثت على الأرض و صارت تبكي بقوة و مرارة... مخفية وجهها خلف يديها

لم أعرف لم كل ذلك.. ألا أنني لم أحتمل.. هويت إلى جانبها، و ناديتها بلطف ، و لم تجبني...

أبعدت ُ يديها عن وجهها و قلت بعطف :

" كفى أرجوك.. "

نظرت إلي ّ نظرة لم أفهم طلاسمها... مددت يدي و مسحت على رأسها من فوق الحجاب، و قلت :

" أنا آسف يا صغيرتي.. أعدك بألا أخرج من المنزل ما دمت ِ فيه دون علمك و رضاك.. "

لم يتوقف سيل الدموع..

قلت :

" أرجوك رغد.. لا تجعلي المزيد من اللآليء تضيع هباء ً .. آسف و لن أكررها ثانية .. "

تحدّثت أخيرا و قالت :

" و إن طلبت منك الشقراء ذلك ؟ "

قلت :

" لا تهتمي.. "

قالت :

" وليد .. أنا أرى كوابيس مفزعة.. أمي.. أبي.. الحرب.. النار .. الحريق.. الجمر.. عمّار.. كلهم يعبثون بأحلامي.. لا أحد ليشعرني بالأمان.. سأموت من الخوف ذات ليلة.. سيتوقف قلبي و أموت فزعا.. و لا أحد قربي.. "

جذبتها إلي بسرعة، و أمسكتها بقوّة.. كحصن منيع يعوق أي نسمة عابرة من أذيتها...

" أعوذ بالله.. بعد ألف شر و شر يا عزيزتي.. لا تذكري الموت ثانية أرجوك يا رغد.. رأيت منه ما يكفي.. حاشاك أيتها الغالية "

نعم، رأيت من الموت ما يكفي.. ابتداءً بعمّار.. و مرورا بنديم و رفقاء السجن.. و عبورا على المدينة المدمّرة .. و انتهاء ً بوالدي ّ الحبيبين...
أبعدتها و قلت :

" أنا آسف، سامحيني هذه المرّة .."

رغد مسحت بقايا الدموع .. و قالت :

" لقد قلت مترا ، ألم تقل ذلك ؟ "

نظرت إليها بتعجّب.. و عدم فهم !

" أي متر ؟ "

قالت :

" هذا الذي ستفقأ عينيك إذا ما ازداد طوله فيما بيننا"

و تذكّرت حينها الجملة التي قلتها قبل أسابيع ، في آخر يوم لنا في شقة سامر قبل الرحيل !

و الآن ماذا ؟؟

رغد تمد يدها اليمنى ، و قد أبرزت إصبعيها السبابة و الوسطى ، و ثنت الأصابع الأخرى، و تحرّكها بسرعة نحو وجهي و توقفها أمام عيني مباشرة ، و تقول :

" أ أفقأهما لك الآن ؟؟ "


قلت لكم.. ستصيبني هذه الفتاة.. بالجنون !



هذه كانت البداية، أول شحنة متوترة بيني و بين الدخيلة الشقراء...

لكن الأمور بدأت تضطرب شيئا فشيئا.. و دائرة المشاحنات فيما بيننا آخذة بالتوسع... حتى استرعت اهتمام الجميع...

لم أكن أسمح لهما بالبقاء بمفرديهما إلا نادرا و لأوقات قصيرة.. فأنا جزء تابع من وليد و أذهب معه حيثما يذهب.. و خصوصا إذا كانت الشقراء معه..

وليد هو ابن عمي أنا... نعم أنا...

في أحد الأيام، و كان يوم أربعاء، و كنا في الحقل، وليد و أروى يعملان، و أنا أراقبهما، و الوقت كان المغرب.. إذا بي أسمع من يناديني من خلفي، و ألتفت فإذا به سامر !

كنا نزور سامر مرة كل أسبوع أو أسبوعين، و كان يفترض أن نذهب إليه غدا ألا أنه فاجأني بحضوره !

" سامر ! "

سامر فتح ذراعيه و هو يبتسم.. فابتسمت أنا و عانقته عناقا خفيفا...قصيرا باردا من ناحيتي..

" إنها مفاجأة ! كيف حالك ؟ "

" بخير.. هكذا أكون عندما أراك "

تجاهلت عبارته هذه ، و قلت :

" لم تعلمنا بقدومك ! كنا سنوافيك غدا "

" أحببت أن أزور المكان الذي فيه تعيشين و أرى أحوالك هنا "

ابتسمت و قلت :

" الحمد لله بخير "

قال و قد علاه الجد و القلق :

" هل أنت مرتاحة هنا ؟ "

قلت :

" نعم .. طبعا "

و لا أدري إن كان ردي هذا أراحه أم أزعجه ، لأن التعبيرات التي كست وجهه كانت غريبة و غامضة ...

سمعنا الآن صوت ضحكات قادمة من ناحية وليد و أروى، و الذين كانا وسط الحقل، فالتفتنا إليهما..

شعرت أنا بالغيظ، و لا شعوريا قلت :

" تبا "

ثم انتبهت إلى أن سامر يقف قربي...

خجلت من نفسي، و لأبدد الخجل رحت أنادي :

" وليـــــــد، تعال... حضر سامر "

التفت وليد إلينا، و لما رأى سامر تهلل وجهه و ترك المعول من يده و جاء مسرعا ، و صافحه و عانقه ...

أروى أيضا جاءت ، و هي تضبط وشاحها الملوّن حول رأسها ... لم تكن أروى تخرج من المنزل إلا محجبة.. حتى أثناء العمل الشاق في المزرعة ! لكنها في الداخل، تتصرف بحرية و ترتدي ما تشاء و تتزين كيفما تشاء.. و يزداد حنقي كلما رأيتها تفعل ذلك، فيما أنا ملفوفة بالسواد من رأسي إلى قدمي كإصبع بسكويت مغطى بالشيكولا !

حالما صارت قربنا ألقت التحية على سامر، ثم ذهبنا نحن الأربعة إلى المقاعد الموجودة حول طاولة على مقربة ، و جلسنا سوية نتبادل الأحاديث...

أنا عملت هذه الساعة كبرج مراقبة ، أراقب الجميع ابتداء من أروى الحسناء، و انتهاء بسامر المشوّه ! كل حركة، كل كلمة ، أو حتى كحة تصدر من أي من الثلاثة ألتقطها بعيني و أذني و قلبي أيضا... و أستطيع أن أخبركم، بأن أروى كانت مسرورة، و وليد فرح جدا، و سامر.. حزين و مكتئب ، رغم كل الضحكات و الابتسامات التي يتبادلونها...

أروى، حسابي معها سأصفيه لاحقا، الآن .. سأنصب جل اهتمامي على سامر إذ أن حدسي ينبئني بأنه يخفي شيئا.. شيئا يجعل صدره متكدرا كما هو واضح أمام عيني ...

وجود سامر اعتبر مناسبة تستحق الاحتفال ! و لذا ، صنعت أروى و أمها أطعمة خاصة من أجله على العشاء، و لأنني لا أجيد الطهو، و لا أجيد أعمال المزرعة، كما لا أجيد أعمال المنزل، و واقعا لا أجيد شيئا غير الرسم، فقد ساعدت فقط في الأكل، و تنظيف بعض الصحون !

ألحت العائلة على سامر لقضاء الليلة معنا، رغم اعتراضه ألا أن إصرارنا أحرجه فقبل أخيرا...

و تعرفون أين سينام !

طبعا في الغرفة الخارجية تلك !




 




عرض البوم صور بوسي رد مع اقتباس

قديم 06-24-10, 06:16 PM رقم المشاركة : 49
الملف الشخصي
إحصائية العضو






بوسي est déconnecté

علم الدولة female_egypt

افتراضي رد: رواية انت لى كاملة

بعد العشاء، اقترحت أروى أن نذهب جميعا للتنزه عند الكورنيش ... بالنسبة لي كانت فكرة جميلة، فأيدتها، ألا أنني ندمت على ذلك حينما وجدتها أروى فرصة ذهبية للاختلاء بوليد بعيدا عني، ذهبا يسيران معا، و تركاني و سامر وحدنا...

الأمر في أعين الجميع يبدو طبيعيا.. إذ أنهما خطيبان، و نحن خطيبان، ألا أنني اشتططت غضبا و صرت أراقبهما بعين ملؤها الشرر ...

سامر كان يتحدّث معي، ألا أنني لم أكن مركّزة معه، بل على ذينك اللئيمين..
و سوف ترى أروى ما سأفعل انتقاما لهذه اللحظات...

" هل تسمعينني ؟؟ "

التفت إلى سامر.. فوجدته يحدّق بي بحزن .. لم أكن قد انتبهت لآخر جملة قالها قلت :

" عفوا.. ماذا قلت سامر ؟ "

سامر رمقني بنظرة ذات معنى ، شديدة الكآبة ثم قال :

" لا، لا شيء"

" أرجوك سامر..أعد ما قلت فقد كنت..."

أتم هو الجملة :

" كنت ِ تراقبينهما بشغف "

خجلت من نفسي، و نظرت إلى البساط الذي كنا نجلس فوقه..

سامر قال :

" ألا زلت ِ تفكرين به ؟ "

تسارعت ضربات قلبي و توترت، و لم أجرؤ على رفع بصري إليه كما لم أقدر على التفوه بأي كلمة...

قال سامر :

" تؤذين نفسك يا رغد، و تهذرين مشاعرك... ألا ترين أنه رجل مرتبط و لديه زوجة.. و زوجة حسناء تغنيه عن التفكير بأي امرأة أخرى "

بانفعال و بدون تفكير قلت بسرعة :

" و هل يجب أن تكون المرأة بكل هذا القدر من الجمال حتى يلتفت إليها ؟ أنا لست أقل منها جمالا لهذا الحد.. فهل يجب أن أصبغ شعري و أضع عدسات زرقاء، و ألوّن وجهي حتى أنال إعجابه ؟؟ "

و انتبهت لخطورة ما قلت ، بعد فوات الأوان ...

سامر أخذ ينظر إلي بألم.. نعم بألم.. إن بسبب تجاهلي له و اهتمامي بوليد ، أو بسبب المرارة التي يراها منبعثة من صدري و أنا أراقبهما في حسرة...

لكن عطفه علي غلب عطفه على نفسه، فقال مواسيا :

" ليس الأمر كذلك، لا أظن وليد خطبها من أجل جمالها.. بل ربما لأنه يعمل هنا و أراد توثيق علاقته بأصحاب المزرعة... "

التفت إليهما، و نظرت و أنا أضيق فتحة عيني و أعض على أسناني :

" أو ربما... "

و تابعت :

" لأنه يحبها "

و هذه الفكرة تجعلني أصاب بالجنون، و أتحوّل إلى لبؤة تريد الانقضاض على القطط الجميلة الملونة.. الناعمة الشقراء.. و نتف وبرها شعرة شعرة، و تمزيق أعضائها بمخالبها و أسنانها الحادة، قطعة قطعة...

سامر قال :

" أ تريدين أن أتحدث معه ؟ "

التفت إليه بسرعة و أنا مندهشة ، و قلت :

" ماذا ؟؟ "

نظر إلي نظرة تأكيد... فقلت مسرعة :

" لا ! كلا ، كلا "

فلم يكن ينقصني إلا أن يتدخل سامر ليلفت انتباه وليد إلي !

قال :

" ما الجدوى إذن.. في صرف مشاعرك عليه.. إن كان سيتزوّج من أخرى ؟ "

قلت بحدة :

" لن يتزوّج منها "

سامر شعر بالقلق ، و نظر إلي بحيرة و خوف ، و قال :

" كيف ؟ "

قلت بتحد ٍ:

" لن أسمح لأي امرأة بالزواج من وليد.. أبدا "

سامر قال :

" رغد ! "

" مهما كانت "

" الأمر ليس متروكا لسماحك من عدمه ! ليس حسبما ترغبين أنت ! "

وقفت بعصبية ، و قلت بحدة و انفعال :

" بل حسبما أريد أنا.. فوليد ابن عمّي أنا.. و هو لي أنا.. و سوف لن يتخلّى عنّي.. و إن حاولت أي امرأة سرقته مني فسوف أشوه وجهها.. و إن حاول هو التخلّص منّي فسوف أفقأ عينيه ! "

اعتقد أنني بالغت في التعبير عن مشاعري المكبوتة، خصوصا أمام سامر الذي أدرك تماما أنه يعشقني بهوس...

التفت إليه شاعرة بالندم على تهوّري ، فرأيت آثار الصدمة المؤلمة مرسومة على وجهه.. تزيده كآبة فوق كآبة..

ما كان علي التفوّه بما تفوّهت به على مسمع منه... لكن.. لمن أعبّر عن مشاعري؟؟

لم يعد لدي شخص مقرب صديق أتحدّث معه... فدانة رحلت، و نهلة بعيدة ، و أمي... في عالم الأموات...

لمن أبث همومي و أعبر عما يختلج صدري من مشاعر ثائرة ، و أنا أرى وليد قلبي يلهو مع تلك الحسناء الدخيلة.. و أعيش علاقتهما لحظة بعد أخرى ..؟؟

قلت ، محاولة تبديد أثر تهديدي الجنوني ذاك :

" دعنا نمشي بمحاذاة البحر نحن أيضا "

و مشينا سوية، في الاتجاه الآخر مبتعدين عن الثنائي المزعج !

سمحت لنفسي بالهدوء، و أجّلت انفعالي لما بعد، فهي لحظات جميلة لا تستحق الإهمال.. الجو لطيف، يداعب الوجوه ، و أمواج البحر رائعة .. تدغدغ الأقدام.. و صوت البحر عذب، يطرب الآذان.. فترقص القلوب مبتهجة و فرحة ..
وقفت أتأمل جمال الكون.. و طبيعته الخلابة، و بديع صنع الله ، متحاشية قدر الإمكان النظر في أي شيء يعكر صفو هذه اللحظة، خصوصا وجوه البشر، و بالأخص من النوع ذوي الأنوف المعقوفة، أو العيون الزرقاء !



أمضينا وقتا، سأعترف بأنه كان ممتعا ، مع الكثير من الشوائب ! و كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة و النصف ليلا حين قررنا العودة إلى المزرعة.. وليد يقود سيارته و سامر إلى جانبه، و أنا خلفه ، و الحسناء إلى جانبي.. أكاد أعصب عينيها بعصابة سوداء داكنة سميكة جدا، لأمنعها من النظر إلى وليد عبر المرآة !



في اليوم التالي، لم يعمل وليد في المزرعة إلا لوقت قصير، و قضى بقية النهار معنا ..

و في العصر، قبيل مغادرة سامر، خرجنا جميعا إلى المزرعة نتجول مثنى مثنى !

و ليد و الحسناء في المقدمة، نتبعهما أنا و سامر على بعد عدة أمتار، يتبعنا العجوز و أم أروى على مبعدة... و سيري خلفهما جعلني أعود لممارسة جولات عيني الاستطلاعية بل التدقيقية التفتيشية على أقل حركة تصدر من أي منهما...

عادت البغيضة لتشبيك ذراعيهما ببعضهما البعض !

يا إلهي ! هل أركض نحوهما و أقف جدارا بينهما؟

قلت مخاطبة سامر :

" دعنا نسرع "

قال متعجبا :

" لم ؟ "

اخترعت أي سبب ، و لا سبب !

" أريد أن أعطي شيئا لأروى "

" أي شيء ؟؟ "

نظرت من حولي، فوجدت مجموعة من الزهور الجميلة الملونة، أسرعت باقتطاف بعضها و قلت :

" هذه ، فهي ملونة مثلها و تصلح طوقا على شعرها الذهبي ! "

و ناديتها مباشرة !

التفت كل من وليد و أروى استجابة لندائي، فحثثت السير إليهما حتى إذا ما بلغتهما قلت و أنا أرسم ابتسامة مفتعلة على شفتي :

" انظري يا أروى ! هذه الورود تشبهك ! "

أروى بدت مستغربة من مقولتي، ثم ابتسمت و شكرتني بعفوية !

قلت :

" اصنعي منها تاجا لشعرك ! ستبدين لوحة مذهلة ! "

أورى ابتسمت ثانية، و كررت شكرها و إن علاها بعض الشك !

التفت إلى وليد و قلت :

" أليس كذلك يا وليد ؟؟ "

وليد قال :

" بلى ، بالتأكيد "

بالتأكيد ؟؟ بالتأكيد يا وليد ؟؟

أنا بالتأكيد سأفقأ عينيك !

أخذت أورى بعض الورود، و تركت في يدي البعض الآخر...ثم استدارا ليتابعا طريقهما...

وقفت أنا على الجمر المتقد.. ازداد اشتعالا و احتراقا.. و أرمقهما بنظرات حادة خطره و هما يبتعدان... و ربما ذبلت الورود التي في يدي من شدة حرارتي !

شعرت بشيء يلمس كتفي فاستدرت بسرعة ، كان سامر...

سامر أوقف يده معلقة في الهواء.. لا أعرف لماذا ؟ ربما لأنها احترقت من ملامستي ؟؟

لكني لمحت عينيه تركزان في الساعة...

قال :

" يجب أن أذهب الآن.."

أعدت النظر إليهما ، ثم إليه.. ثم إلى الثنائي الأخير الذي يقترب منا، العجوز و أخته...ثم عدت أنظر إلى سامر :

" الآن ؟ "

" نعم ، قبل حلول الظلام "

نظرت بيأس نحو الورود التي بين يدي.. و لأنها أصبحت تمثّل أروى في نظري، فكدت أرميها و أدوسها من الغيظ.. إلا أن سامر أخذها من بين أصابعي و قال :

" هذه تصلح لك أنت ِ .. أنت فقط "

رفعت بصري إليه و أبديت استيائي من جملته، و لما رأى هو ذلك قال :

" أو ربما لي أنا ! لمعادلة قبح وجهي ! سأحتفظ بها ذكرى "

ابتسمت.. لطالما كان سامر خفيف الظل ، ألا أنه في الفترة الأخيرة، بعد كل الذي حصل معنا، تغير كثيرا !


قلت :

" أنت لست قبيحا يا سامر! هذه الندبة لا تؤثر عليك مطلقا! إنها أجمل من هذه الورود "

ابتسم سامر بامتنان:

" شكرا ! "

عدت أنا فألقيت نظرة على الثنائي المزعج اللئيم، ثم نظرت إلى سامر...

سامر كان يشعر بتوتري، و يلحظ انجراف أنظاري نحو وليد و أروى.. و هو شيء لا أملك منع نفسي من الانقياد له !

سامر الآن نظر إلي نظرة جدية كئيبة، أخفت أي أثر وهمي للابتسامة التي كانت على وجهه قبل برهة، و قال :

" رغد .. "

من نبرته، شعرت بأنه سيقول شيئا مهما.. أصغيت أذني.. و ركزت معه..


قال :

" ابتداء ً من اليوم.. اعتبري نفسك حرة طليقة.."

دهشت.. أوقفت أنفاسي.. و حملقت به بعيني المفتوحتين لحد الحاجبين !

قال :

" بدأت ُ إجراءات انفصالنا.. و تستطيعين الارتباط بمن تريدين متى شئت ِ "

مأخوذة بهول المفاجأة و غير مصدقة لما تسمع أذناي.. سامر حررني من رباطنا؟؟

أحقا فعل ذلك؟؟

قلت لا شعوريا :

" طلّقتني ؟ "

سامر ابتسم بسخرية و قال :

" و هل تزوّجتك حتى أطلّقك ؟؟ "

و نظر إلى الزهور التي في يده ، ثم قال :

" سيتعين على وليد مراجعة الشؤون المدنية لنقل اسمك إلى بطاقته ، باعتباره ولي أمرك الجديد "

و سكت برهة ، ثم قرّب الزهور من أنفه و شمها، و تنهّد ، ثم نظر إلي و قال :

" أتمنى لك حياة سعيدة ، مليئة بالزهور الجميلة .. الرائعة مثلك "

لم أتمالك نفسي، و كادت الدمعة تقفز من عيني ألا أنني كبتها بصعوبة..

امتدت يده الآن إلى يدي ، فأمسك بي بلطف .. و قال بصوت أجش :

" حبيبتي... "

و سكت، ثم تابع :

" أتسمحين بأن .. أعانقك للمرة الأخيرة ؟؟ "

حملقت بعينيه، فرأيت الرجاء الشديد ينبع من بؤبؤيهما... لم أحتمل، انطلقت العبرة المكبوتة من عيني فجأة و هتفت :

" سامر ! "

و ارتميت في حضنه و أحطته بذراعي .. في عناق حميم.. حقيقي.. طويل.. مليء بالمشاعر و الدموع... و متوّج .. بالورود التي امتزج عبيرها الأخاذ بأنفاس صدرينا الملتهبة.. و محفوف بأنسام الهواء العليلة و أوراق الشجر المتطايرة من حولنا.. و التي حضرت لتشهد آخر لحظات وجودي في قفص سامر.. قبل أن أنطلق في الهواء حرة .. و أحلق في السماء مرفرفة بجناحي .. ميممة وجهي شطر الشجرة الضخمة الطويلة.. التي امتدت جذورها في قلبي منذ الطفولة.. و التي عليها سأعشش و أقيم لآخر العمر، طاردة بعيدا أي فراشة ملوّنة دخيلة تحاول الاقتراب من بيتي، ليبقى وليد.. وليد قلبي.. لي وحدي أنا.. و أنا فقط..




 




عرض البوم صور بوسي رد مع اقتباس

قديم 06-24-10, 06:19 PM رقم المشاركة : 50
الملف الشخصي
إحصائية العضو






بوسي est déconnecté

علم الدولة female_egypt

افتراضي رد: رواية انت لى كاملة

الحلقة الثانية والثلاثون



********





لأن الظروف لم تسمح لنا قبل الآن بشراء خاتمي الخطوبة، و أقصد بذلك ظروف وليد ، فإنني فتحت الموضوع معه مؤخرا، بعدما مضت فترة على وفاة والديه، رحمهما الله.

قررنا أن نذهب لشراء الخاتمين و الشبْكة غدا.. لن نقيم أي احتفال، إنما عشاء خاص بي معه...

وليد، هو رجل رائع بكل المقاييس.. ربما كان التعويض الذي أرسله الله لي عوضا عما فقدت.

في مظهره، وسم، جذاب ! طويل القامة، عريض المنكبين، ممتلىء الجسم و الوجه!
في أخلاقه، كريم.. لطيف..نبيل.. متفان، مقدام !
في عمله، مخلص، صادق.. أمين.. مجتهد، نشيط جدا!

في أول مرة التقينا، كان ذلك قبل عدة أشهر، حين دخل رجل غريب إلى المنزل و هو يستنجد!

عندما أتذكر ذلك اليوم ، و رغم المرارة التي كانت فيه، أضحك !

لقد خرجت من المنزل راكضة .. بملابسي المجردة !

حينما عرض علي الزواج ، فرحت كثيرا.. أمي و خالي كانا يمدحانه أمامي باستمرار، و أنا كنت ألحظ إعجابهما بخلقه و طبعه، و أعجبت به مثلهما ...

علاقتي بوليد كانت بالكاد قد بدأت تتطور، ألا أن تطوّرها أخذ منحى آخر حين حضرت رغد للعيش معنا...

و هذه الرغد فتاة غريبة الأطوار !

أول الأمر كانت غارقة في الحزن، ثم بدأت تتفتح للحياة، و الآن بفرض وجودها في ساحة وليد !

إنه يهتم بها كثيرا جدا، و يعاملها و كأنها ملكة ! تصدر الأوامر و هو ينفّذ .. حتى أنه يفكر جديا في شراء طقم غرفة النوم الباهظ الذي أشارت إليه اليوم .. !

و يريد تحويل إحدى غرف المنزل إلى غرفة خاصة بها، بعدما طلبت هي مؤخرا أن تنام في غرفة مستقلة !

أنها فتاة مدللة جدا، و وجودها أبعد وليد عني ، و جعله يصرف جل الاهتمام لها هي .. و يهملني ...

اليوم ذهبنا إلى الأسواق تنفيذا لرغبتها، حيث اختارت طقم غرفة النوم ذاك، و اشترت العديد من الأشياء .. بمبالغ كبيرة !

أنا أخشى أن أتحدّث معها أو مع وليد حول هذه النقطة، حتى لا أسبب مشكلة و يتهمني أحد بشيء، لكن...

نحن في وضع مالي متواضع ! و هي، كانت من عائلة ثرية معتادة على نيل ما تريد بسهولة...و لا أعلم، متى سيمكنها أن تدرك تماما أن والديها قد توفيا... و أنها لم تعد تتربى في عزّهما و دلالهما!

و رغم ما أنفقته رغد هذا اليوم، فأنا لم أتنازل عن رغبتي في شراء خاتمي الخطوبة و طقم الشبكة، فهي من حقّي، و قد وعدني وليد بالذهاب لأسواق المجوهرات و شرائها...


العلاقة بين رغد و أروى تزداد اضطرابا مرة بعد أخرى، و هذا يقلقني كثيرا...

رغد، في أحيان ليست بالقليلة تتصرف بغرابة، لا أعرف وصفا دقيقا أذكره لكم، لكن.. إنها .. تتدلل كثيرا !

و لأنها معتادة على الدلال، و تنفيذ جميع رغباتها دون استثناء، و لأنني الشخص الوحيد المتبقي أمامها من العائلة، فإنها .. باختصار تتدلل علي !

نعم حينما كانت صغيرة كنت أعشق تدليلها و أقبل على ذلك بشغف، ألا أن الأمر تغيّر الآن..إنها لم تعد طفلة كما أنني... إنني...
ماذا أقول ؟؟
لست أباها، أو أخاها، أو زوجها أو حتى ابنها لأستطيع مجاراتها ببساطة في كل تصرفاتها... أنا حائر.. حائر جدا!

البارحة، و بعدما عدنا من السوق، و قد اشترت هي العديد من الأشياء، فوجئت بها قادمة نحوي، و قد تغيّر لون عينيها إلى الأزرق ! و إذا بها تسألني :

" كيف أبدو ؟ "

كنت أجلس و أروى في الصالة، نتحدّث عن الخاتمين اللذين تصر أروى على شرائهما، و أظن هذا من حقّها فهي تود وضع خاتم للخطوبة مثل أي فتاة !
اعتقد أن الفتيات يهتممن بأمور تبدو في نظر الرجال، أو لنقل في نظري أنا كواحد من معشر الرجال ... لا تغضبن ! سخيفة أحيانا !


نظرت ُ إلى أروى ثم إلى رغد مندهشا.. و كانت لا تزال تنتظر رأيي في لون عينيها الجديد ! شعرت بالحرج الشديد .. فقلت :

" هل صبغتيهما بالفرشاة! "

قاصدا أن تبدو دعابة خفيفة تلطّف الجو، ألا أن رغد نظرت إلى أروى و قالت :

" و هل أنت ِ صبغتِ عينيك بالفرشاة ؟ "

قالت أروى :

" لا ، صبغهما الله لي هكذا ، لذا فهما تناسباني تماما "

الجملة أزعجت رغد ، فقالت بغيظ :

" تعنين أن لون عيني الآن لا يناسبني ؟ "

صمتت أروى، و نظرت إلي، تقصد تحويل السؤال إلي .. ، و لذا نظرت رغد نحوي و أنا أرى الغضب يتطاير من عينيها هاتين.. و لم أجد جوابا مناسبا ألا أنني لم أشأ إحراجها فقلت :

" و إن ناسباك ، فالأصل هو الأنسب دائما "

و إجابتي الغبية هذه لم تزد الطين إلا بللا !

قالت غاضبة :

" نعم الأصل هو الأنسب دائما، هذا ما يجب أن تدركه أنت ! "

و لم أفهم ما ترمي إليه ! ثم أضافت :

" لو كان سامر هنا، لصفّر إعجابا "

ثم استدارت و غادرت الصالة...

تضايقت أنا من هذا الموقف.. و التزمت الصمت مدّة ، ألا أن أروى قطعت الحديث قائلة :

" ألم أقل لك !؟ إنها تغار مني "

التفت إليها و قلت :

" لا ، ليس الأمر كذلك ! لكنك لا تعرفين كم كانت مدللة تفعل ما تشاء في بيت أبي... كان رحمه الله يدللها كثيرا "

قالت أروى :

" و ها أنت ورثته ! "

التفت إلى أروى، فأشاحت بوجهها عني.. و كأنها غاضبة مني ..

قلت :

" ما بك أروى ؟ ماذا يزعجك ؟ "

التفتت إلي و أجابت :

" ألست تدللها أنت أيضا ؟ "

قلت :

" أ لأنني سمحت لها بشراء كل ما أرادت ؟ تعلمين أن أغراضنا احترقت في بيتنا و هي بحاجة لأشياء عدّة ! "

" أشياء عدّة كالملابس الباهظة التي اشترتها و الحلي أيضا ؟؟ بربّك ما هي فاعلة بها و هي باقية في هذا البيت بالحجاب و العباءة ! "

سكتت قليلا و قالت :

" لم لا ترسلها إلى خطيبها لبعض الوقت ؟ أظنها في حنين إليه "

وقفت منزعجا و رميت أروى بنظرة ثاقبة ، جعلتها تعتذر

" لم أقصد شيئا يا وليد إنما ..."

قلت مقاطعا :

" يجب أن تعرفي يا أروى.. أن رغد هي جزء من مسؤولياتي أنا، الجزء الأكبر.. و متى ما شعرت بالضيق من وجودها فأعلميني، و في الحال سآخذها و نرحل "

ظهر الذهول على ملامح أروى ، فوقفت و قالت :

" وليد ! "

قلت :

" نعم ، نرحل سوية.. لأنه لا يوجد سبب في هذا العالم يجعلني أتخلى عن ابنة عمي ساعة واحدة، مهما كان "

و كان هذا بمثابة التحذير ...

قالت أروى :

" و .. حين نتزوّج ؟ "

صمت فترة ، ثم قلت :

" لن يكون زواجنا قبل زواجها هي ، بحال من الأحوال "

" و .. متى ستتزوج هي و أخوك ؟ "

قلت بسرعة و بغضب :

" ليس الآن، لا أعرف ، ربما بعد عام أو عشرة .. أو حتى مئة ، لكن ما أعرفه هو أنني لن أتزّوج قبلها مطلقا "

و تركت أورى، و انصرفت قاصدا رغد...
نعم رغد، فهي من يشغل تفكيري هذه الساعة، و كل ساعة..


كنت أعرف أنني سأراها باكية.. و هكذا رأيتها بالفعل.. و قد نزعت العدستين الزرقاوين، و تحول بياض عينيها إلى احمرار شديد...

" صغيرتي.. يكفي ! "

طالعتني بنظرة غاضبة ، و قالت :

" كنتما تسخران مني ، أليس كذلك ؟ "

" لا أبدا ! لا يا رغد ! "

قالت بانفعال :

" لو كان سامر هنا ، لقال قولا لطيفا و لو من باب المجاملة.. "

و ذكر اسم سامر يجعلني أتكهرب !

قلت بدون تفكير :

" أنت ِ رائعة إن بهما أو بدونهما يا رغد "

و ابتلعت لساني بسرعة !

رغد تأملت عيني، و ربّما سرّها ما قلت.. فمسحت الدمعتين الجاريتين على خديها ، و قالت :

" حقا ؟ هل بدوت رائعة ؟ "

اضطربت، حرت في أمري.. بم أجيب ..؟؟

يا رغد أنت تثيرين جنوني.. ماذا تتوقعين مني ؟ أنا.. و للأسف، و بكل أسف..لست زوجك حتى يحل لي أعجب بك و أبدي إعجابي لك.. كيف لي أن أصرّح أمامك : أنت رائعة، و أنت لست ِ ملكي..؟ أنى لي أن أتأملك و أنت لست ِ زوجتي أنا ؟؟
يا رغد.. أنت لستِ امرأتي و أنا لا أستطيع تخطي الحدود التي يجب أن تبقى بيننا..
و إن لم أر روعتك، و لم أتأملها و لم أعلّق عليها، فلتعلمي بأنك في قلبي أروع مخلوقة أوجدها الله في حياتي.. مهما كان مظهرك ..

لا تزال تنظر إلي منتظرة الإجابة.. كطفلة صغيرة بحاجة إلى كلمة طيبة من أحد.. قلت :

" بالطبع ! أنت دائما رائعة منذ صغرك ! "

رغد ابتسمت، أظن بفرح.. ثم قامت و اتجهت إلى أحد الأكياس التي تحوي ما اشترته من السوق، و أخرجت بعض الأشياء لتريني إياها !

أرتني أحد الفساتين، و هي تقول :

" هذا سيدهشك ! انظر .. ما رأيك ؟؟ "

الفستان كان أنيقا، و في الواقع أنا لست خبيرا بمثل هذه الأمور ، لكني أظن أنه من النوع الذي يعجب النساء !

قالت :

" سيغدو أجمل حين أرتديه ! "

و قربته من جسمها و ذهبت لتشاهد ذلك أمام المرآة..

كانت تبدو سعيدة ..

قالت تخاطب المرآة :

" متأكدة سيبهر دانة حين تراه ! و ستشعر بالغيظ ! "
ثم اكفهر وجهها فجأة .. و شردت برهة ، و استدارت إلي .. و رمت بالفستان على السرير..

قلت :

" ما الأمر ؟ "

قالت :

" أريد أن أرتديه "

قلت :

" إذن افعلي ! "

قالت و بريق من الدموع لمع في عينيها :

" أرتديه لأبقى حبيسة في هذه الغرفة ؟ "

و صمتت قليلا ثم قالت :

" لو كان والداي حيين.. لكنا الآن هناك، في بيتنا.. أريهما أشيائي هذه، و أسمع تعليقاتهما.. "

" رغد .. "

" و لكنت ارتديت ما أشاء.. و تزيّنت كيفما أريد .. بكل حرية.. "

" رغد صغيرتي ... "

" و لكنت اشتريت ما يحلو لي دون حساب.. و لطلبت من والدي تجديد طقم غرفة نومي .. لم يكن ليتضايق من طلباتي.. فقد كان يحبني كثيرا.. و يدللني كثيرا.. و يحرص على مشاعري كثيرا.. أكثر من أي أب آخر في الدنيا .. "

و ارتمت فوق الفستان المرمي على السرير، و أخذت تبكي بحرقة...

تمزّق قلبي أنا .. خلية خلية..لهذا الموقف الأليم المرير.. و رغما عنّي تمخّضت مقلتي عن دمعة كبيرة...

اقتربت منها محاولا المواساة :

" أرجوك يا رغد.. كفى عزيزتي .. "

رغد استمرت في البكاء ، و لم تنظر إلي ، لكنها قالت وسط الآهات :

" لن يشعر أحد بما أشعر به.. حبيسة و مقيّدة في هذا المكان..
ليتهما يعودان للحياة.. و يعيداني معهما إلى البيت.. و أنا سأتخلى عن كل شيء فقط لأعيش معهما ! "

مسحت دمعتي ، و قلت بصوت ألطف و أحن :

" بالله عليك يا رغد..يكفي فقد تفطّر قلبي "

رغد استدارت نحوي، و أخذت تنظر إلي مطولا..

ثم قالت :

" هل تحس بما أحسّه يا وليد ؟؟ أتعرف معنى أن تفقد والديك، و مرتين، و بيتك و عائلتك، و مدينتك و جامعتك، و تبقى مشردا عالة متطفلا على غرباء ؟ في مكان لا يوفر لك أبسط حقوقك ؟ أن ترتدي ما تشاء ! "

" رغد ! ماذا بيدي ؟ أخبريني ؟ ماذا أستطيع أن أفعل ؟ و حتى لو خرجنا من هذا المنزل و سكنا منزلا آخر... لا حل للمشلكة ! "

" بلى ! "

قالت رغد ذلك بسرعة ، فقلت أنا مسرعا :

" ما هو ؟ "

رغد الآن.. عقدت لسانها و هي تنظر إلي نظرات عميقة، كأنها تفكّر فيما تود قوله ثم قالت للقهر :

" أرسلني إلى بيت خالتي "

ذهلت لسماع هذه الجملة ، و ترنحت قليلا ، ثم سألت :

" إلى بيت خالتك ؟؟ كيف ؟ و زوج خالتك ؟ و حسام ؟؟ "

قالت :

" أتزوّجه "

هنا .. توقّف قلبي عن النبض، و توقفت عيناي عن الرؤية، و أذناي عن السمع، و كل حواسي عن العمل ، بل و الساعة عن الدوران...

لم أسترد شيئا من حواسي المفقدوة إلا بعد فترة، و أنا في المزرعة ..
و كان أول شيء استعدته هو الشم، إذ غزت رائحة السيجارة أنفي و أيقظت إحساسه عنوة ...

قلبتني جملتها هذه رأسا على عقب... و بعد أن كنت شديد الحزن و التعاطف معها، أصبحت أرغب في خنقها..

حسام ؟ نعم حسام.. إنه الحبيب السري الذي يعيش في قلب رغد منذ الطفولة.. ليس في قلبها فقط، بل و في صندوق أمانيها الذي لم أنسه يوما...

أهذا ما تريدين يا رغد ؟؟




 




عرض البوم صور بوسي رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are متاحة



Powered by vBulletin® Copyright ©2006 - 2013
جميع الحقوق محفوظة لموقع النواصرة
Live threads provided by AJAX Threads v1.1.1 (Pro) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2014 DragonByte Technologies Ltd.

a.d - i.s.s.w


جميع الآراء والمشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبتها فقط ولا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر موقع النواصرة

SEO by vBSEO