كثرة الوعود توهن الثقة
منقول للكتاب
حامد المهيري
"الثقة ثورة تأتي من وفرة الحب"، تفسير دقيق لمدلول "الثقة" أفادنا به "طاغور" وزاده توسعة عبد الرحمن زغلول في قوله "الوفاء لازم لسعادة المجتمع البشري وثقة الناس بعضهم ببعض وسير الأعمال فيما بينهم سيرا حثيثا، وحصول التعاون". ففي معجم لسان العرب "وثق به يثق بالكسر فيهما، وثاقة وثقة ائتمنه.."، "ووثقت فلانا إذا قلت إنه ثقة" والميثاق هو العهد، والمواثقة هي المعاهدة، ومنه قول الله تعالى
"واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور" "المائدة7".
وحذار من الإخلاف بالوعود، فـ"كثرة الوعود توهن الثقة" وفي خطابه تعالى لبني إسرائيل
"وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم" "البقرة84"،
"ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق" "الأعراف269"،
"وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا" "الأحزاب7". فالله تعالى أكد أنه يمقت الذين يقولون ما لا يفعلون مقتا كبيرا،
"يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" "الصف2-3".
قيل "الوعد عهد والعهد من الله ومن لم يوف بعهده لا ذمة له"؛ فمن لا عهد له كيف يكون من أهل الثقة؟
"أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى" "الرعد19"، هذا الخطاب موجه إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتواصل كلام الله تعالى
"إنما يتذكر أولو الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب.." "الرعد19-21"، فالثقة تتضح في الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد، قال الله تعالى
"وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا" "الإسراء34".
"من الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام" "البقرة204" هذا الصنف من الناس منافق عاص قلبه مظلم مملوء كفرا ومعصية، تعجبك طلاقة لسانه وقوة بيانه ولكنه يخادع ويداهن ويتملق ويكذب لا يتكلم إلا ليحظى بشيء من الدنيا وزخارفها وأطماعها ويحاول زخرفة كلامه إما بحلف الإيمان، وإما بأن يشهد الله على ما في قلبه.
قال السدي: نزلت هذه الآية وما بعدها في الأخنس شريق الثقفي وهو حليف بني زهرة أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، فأظهر له الإسلام وأعجب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منه، وقال إنما جئت أريد الإسلام والله يعلم إني لصادق، وذلك قوله
"ويشهد الله على ما في قلبه"؛ ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بزرع وحمر لقوم من المسلمين، فأحرق الزرع وعقر الحمر، فأنزل الله تعالى فيه "وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل" "البقرة205".
هذا نموذج من عناصر التخريب والفساد والنفاق، لم يكرهه أحد على ما صنع ولكنه ارتضى لنفسه موقف الخبث وإضمار السوء والعمل على هدم مقومات أمته وتدمير أمجاد مجتمعه ومفاخرهم. وفي مقابل هذا العنصر الخبيث نجد أنموذجا طيبا هو صهيب بن سنان وأمثاله من المجاهدين المخلصين أراده المشركون على الكفر فـأبى وأخذوا ماله، وفر بدينه إلى المدينة فأنزل الله في شأنه
"ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد" "البقرة207"، أي رؤوف بعباده حيث كلفهم الجهاد في سبيل الله فعرضهم بذلك لثواب الشهداء.
قال سعيد بن المسيب: أقبل صهيب مهاجرا نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من قريش من المشركين فنزل عن راحلته ونثر ما في كنانته وأخذ قوسه ثم قال: "يا معشر قريش، لقد علمتم أني من أرماكم رجلا وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء ثم افعلوا ما شئتم، قالوا: دلّتا على بيتك ومالك بمكة ونخلي عنك، وعاهدوه إن دلهم أن يدعوه، ففعل، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أبا يحيى ربح البيع ربح البيع"، فأنزل الله الآية.
وقال المفسرون: أخذ المشركون صهيبا فعذبوه، فقال لهم: إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟ ففعلوا ذلك، وكان قد شرط عليهم راحلة ونفقة، فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر ورجال، فقال له أبو بكر: ربح بيعك أبا يحيى، فقال صهيب: وبيعك، فلا بخس، وما ذاك؟ فقال: أنزل الله فيك كذا، وقرأ عليه هذه الآية.
تلك الحالتان تمثل إحداهما انعدام الثقة، والثانية تمثل الثقة، ومن هنا نثبت أن من اختار طريق الثقة يتحمل بصبر جميل أذى الناس. وقد قل عدد أهل الثقة في هذا العصر، الذي غرق أهله في تأليه المادة، والتفصّي من الروح.
لقد عشت تجربة قاسية مع من تعاملت معهم بثقة فآذوني وصبرت صبرا جميلا فيسر الله أمري لأني آثرت الجانب الروحاني على الجانب المادي، وآثرت الصدق على الكذب، وآثرت سلامة النية على فساد النية وآثرت الحب على العداوة، وقد قيل لي: هل هناك صبر أكثر من صبر أيوب وصبر يعقوب؟ فكان جوابي: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم". ثم قلت مقولة عبد الله ابن المقفع "إن سمعت من صاحبك كلاما أو رأيا يعجبك فلا تنتحله "أي تنسبه إلى نفسك" تزينا به عند الناس، واكتف من التزين بأن تجني الصواب إذا سمعته ثم تنسبه إلى صاحبه".
من حقي أن أذكر رأي غيري أو منهجية غيري أو فكر غيري إذا أعجبني أو أرد عليه لأني أخالفه، لكن ليس من حقي أن أنسب رأي غيري لنفسي أو منهج غيري لنفسي؛ فهذا ليس من آداب الكلام أو الكتابة. أنا أعتقد أن الحياة تواصل فلا ندفن رأي السابقين إن كان صائبا ونافعا ومفيدا ونزعم أنه رأي جديد أو حديث، فكم من مفكرين وعلماء سبقت أفكارهم واجتهاداتهم عصرهم لمدة طويلة فلا نقصيهم من سلسلة الحياة لأن ذلك هو انعدام الثقة.
